المشهد اليمني الأول/

 

أثارت الإمارات السخط الشعبي على سياساتها، من جديد، في بقعة أخرى من العالم العربي، المستهدف خارجيًا من القوى الكبرى، وإقليميًا من قوى أقل وأصغر شأنًا، تعطي لنفسها مساحة أكبر في الحركة وحرية، كلما ظنت أنها تخدم –بتفان وإخلاص- مخططات الغرب التدميرية في المنطقة، وتدفع الشعوب إلى هاوية الفقر والإذلال، والأنظمة التابعة إلى اقتفاء أثرها، ظنًا واهمًا أنه طريق النجاح.

 

الذراع الإماراتي للسيطرة الاقتصادية في المنطقة، أو شركة موانئ دبي العالمية، فازت بصفقة لم تكن تحلم بها، على جثة منافستها الأهم في الشرق الأوسط “قناة السويس”، لتفتح من جديد فصلًا من إفشال المنافسين في المنطقة، بعد جريمتها العظمى في ميناء عدن، وخيباتها في جيبوتي والصومال، وكأن سياسة الإمارات المتبعة هي تدمير المنافسين بإثارة الطمع وتوزيع العطايا على المسؤولين، فإذا جاءت لحظة الحساب، اكتشف المنافسون أن أحلام النمو والتوسع والأرباح ما هي إلا سراب، رأته عيونهم في لهفة، واتجهت إليه خطاهم في شوق، فإذا هو يتبخر في لحظة، ولا يبقى له أي أثر.

 

وتأسست شركة موانئ دبي العالمية عام 1999، وتدير حاليا 78 ميناء حول العالم، منها ميناء العين السخنة بمصر، الذي لم يخل عملها فيه من نزاعات قضائية، واتهامات بالجور على حقوق العمالة، كما ألغت الصومال اتفاقية شراكة مع موانئ دبي لإدارة ميناء “بربرة”، بعد محاولة من الشركة الإماراتية للتدخل في الشأن الداخلي، وألغت جيبوتي عقدا مع موانئ دبي أيضًا، لتشغيل محطة “دوراليه” للحاويات.

 

قناة السويس التي لم تعد إلى سيطرة الشعب المصري فعلًا، إلا عقب قيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتأميمها في 1956، ثم خاضت مصر حربًا عدوانية على خلفية استردادها ضد كل من بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني، وقعت ضحية لنظام ارتهن كل ما يملكه مقابل رضا دولي ودعم مالي خليجي، وسقط في كل اختبارات الوطنية، بداية من توقيع اتفاقية “CISMOA” أو مذكرة التشغيل التبادلي للاتصالات وتأمينها، والتي تجعل من كل الأوامر العسكرية المصرية مقروءة ومفهومة للأجهزة العسكرية الأميركية، بعد رفض مصر توقيعها لمدة 30 عامًا، أي في عهود المخلوع مبارك مرورًا بالمجلس العسكري ثم الرئيس الأسبق “محمد مرسي”، وأخيرًا المؤقت عدلي منصور.

 

اتفاقية الشراكة في محور قناة السويس حتى اللحظة، لا تشمل الشركة القائمة على تسيير المجرى الملاحي للقناة، أي هيئة قناة السويس، لكنها تشمل هيئة تنمية محور قناة السويس، والهيئتان برئاسة الفريق مهاب مميش، صاحب المشروع الأفشل للقناة عبر تاريخها الممتد منذ افتتاحها 1879، والذي جرى تلميعه باعتباره إنجازًا هائلًا، في بلد لا تعرف سوى كوارث وطنية يعتبرها نظام الحكم “أهدافًا” يسجلها في منافسيه، كما وصف الرئيس المصري السيسي بنفسه قراره باستيراد الغاز الطبيعي من الكيان الصهيوني مؤخرًا.

 

بعد مشروعات توسيع القناة وتعميقها، والتكاليف في حدود 64 مليار جنيه مصري -8.5 مليار دولار بسعر الجنيه أمام الدولار في أغسطس 2015 وقت المشروع- لم ترتفع فيها العوائد إلا بالنسبة الطبيعية للزيادة السنوية في أرباحها، ولم تجتذب المنطقة الاقتصادية على ضفتي القناة أية مشروعات صناعية، سوى العديد من مذكرات التفاهم، التي يجري الاحتفاء بها، ثم تذهب كما سواها إلى صحراء النسيان.

 

الأزمة أن سوابق النظام المصري مع التحديات الوطنية كارثية، فمن صفقة التنازل على تيران وصنافير إلى الملف الاقتصادي لا يبدو أن النظام قد أجاد خلال 5 سنوات إلا الفشل والتنازل، والتراجع المساوم المستمر، وبالتالي فإن خطوة دخول موانئ دبي إلى قناة السويس تثير الكثير من الريبة والغضب، وربما أكثر، مع تدشين عدة جمعيات مؤخرًا تستهدف رفع وعي المواطن المصري بأفعال نظام السيسي.

 

وعلى الدرب ذاته، تحاول الإمارات من جديد العودة إلى إدارة موانئ اليمن، ضمن مخطط الحرب الشاملة التي تخوضها مع التحالف العدواني العربي على الشعب الباسل هناك، والضحية الجديدة في العدوان الإماراتي هي أهم موانئ اليمن “عدن”، درة تاج الاقتصاد اليمني، وطريق التواصل مع العالم، تشهد زخمًا دوليًا متزايدًا، خاصة من الصين الساعية إلى إعادة رسم طريق الحرير القديم، بريًا وبحريًا، ويأتي عدن بموقعه وتاريخه ضمن أولويات التنين الآسيوي لتوسيع وزيادة تجارته الخارجية مع العالم.

 

تاريخيًا فأن اليمن هي بوابة آسيا إلى إفريقيا، ومفتتح الطريق إلى القارة السمراء، وقبل الاهتمام الصيني غير الجديد، فازت المنافسة اللدود، الإمارات، بعقد “مشبوه” لإدارة ميناء عدن لمدة 100 عام، من المخلوع علي عبد الله صالح عام 2008، رغم أن ميناء عدن هو أحد أهم المنافسين المفترضين للموانئ الإماراتية، وبالتالي أدارت الإمارات الميناء إلى الخراب العاجل، وبدلًا من أن تزيد سعة الميناء من الحاويات إلى الضعف، كما كان مفترضًا، انخفض تحت إدارة الشركة الإماراتية إلى أقل من النصف، فضلًا عن ذلك، فقد رفعت الشركة تسعيرة المرور في الميناء، بدلًا من خفضها كما هو متوقع، ما أدى إلى نفور السفن من المرور فيه، والرابح الوحيد كان ميناء جبل علي الإماراتي.

 

اليمن في معركتها الحالية ضد قوى السيطرة الإقليمية، تخوض الحرب لصالح كل عربي، على المستويين الوطني والشخصي، وانتصارها يفقد المشاريع التدميرية كل مقومات الحركة والفعل، والرهان على الانتصار اليمني هو رهان على المستقبل العربي ذاته، وإمكانية استمرار الأمّة كلها.

 

(أحمد فؤاد – صحافي مصري)