المشهد اليمني الأول/

هنا اليمن، حيث تتحد أشكال الموت بأبشع صورها، وتصبح الحياة انتظار قبر.
في اليمن شعب طيب، عزيز، شجاع، كادح، … شعب يستحق الحياة، فصار الموت منافسه وغريمه.

كان يا ما كان، في اليمن أطفال سمر، بضحكات بيضاء تشع حياة.
صار في اليمن أطفال تنتظر الموت، واللحاق برفاق الحي والأقارب. 
كان في اليمن بيوتاً وموائد على الأرض حولها العائلة، صار في اليمن موائد حزن، ونقصان أفراد خطفها الموت.
 في اليمن كان الأهل يطبعون قبلات ما قبل النوم على جبين وخدّ فلذاتهم، والآن غدت القبلات ما قبل وبعد الموت.
على جدران البيوت في اليمن كانت الصور العائلية تزينها، واليوم الورود تزين كفن أفراد الأسرة.
في اليمن، تجمعت أشكال الموت بأبشع صورها، من لم يرحل بقذيفة أو غارة، فإنه ينتظر الموت جوعاً على سرير المستشفى.
صارت المستشفيات مقابر، وصارت الطفولة هيكلاً.
في العالم عندما يجوع الطفل أو يرفض الطعام، يأتيه الأهل بكافة مغريات الطعام كي يأكل، وبألعابٍ وغيرها زيادةً في الترغيب.
في اليمن يطمع الأطفال بالخبز، وحلم الأهل صار الخبز للأبناء.
في العالم عندما يمرض الطفل أو ترتفع حرارته، لا ينام الأهل من قلقهم، ويعملون كل ما بوسعهم.
في اليمن، ليس بوسعهم شيء، حتى القلق لم يعد بوسعهم، فقط انتظار الموت.
والكوليرا تفتك بفلذات الأكباد.
عندما بدأ مرض السرطان ينتشر في العالم، صرنا نسميه المرض الخبيث، في اليمن تجمّع وتحالف الخبث في العالم لينهش أجساد أهل وأطفال اليمن.
هو السرطان الذي لا بدّ أن يُقتلع على أيدي الحفاة، اللابسين حقاً وصبراً وعزماً وإرادة، وهذا وعد الله.
في اليمن قلوب أمهات تدعو، واحتراق أرواح آباء، وشبه أجسادٍ صغار.
في اليمن أشلاء أطفال تناثرت، وأمعاءً خاوية، وأمراضاً تُقطع الجسد، وكله بعين الله.
في العالم عيوناً إنسانية ترى، وأيادٍ تُرفع بالدعاء، ودموعاً تحرق المحاجر، والله المجيب.
في اليمن رجالاً حفاةً أشداء، أرادوا الثأر لكل هذا، ولله رجالاً إذا أرادوا أراد.

(هدى رحمة – إعلامية لبنانية)