المشهد اليمني الأول/

تطرقت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى انعكاسات حرب اليمن على الداخل السعودي، مشيرة إلى أن تواتر الهجمات الصاروخية اليمنية في الآونة الأخيرة باتجاه الرياض، تسبب في «عرقلة (وتيرة) إيقاع الحياة في المدينة، وإن بشكل طفيف»، وهي مدينة مفعمة أصلاً بفصولها الخاصة من الدراما (السياسية)، من «تغيرات اجتماعية»، و«حملات قمع»، إلى جانب «التحولات الاقتصادية»، و«دسائس القصر»، وفق الصحيفة.

وعقدت «نيويورك تايمز» مقارنة بين واقع حال المملكة العربية السعودية، واليمن منذ بدء الصراع في العام 2015، شارحة أن «(مشهد) الإغتيالات، والغارات الجوية، ونيران المدفعية يلاحق سكان المدن الكبرى» اليمنية، في حين «يندر وجود الغذاء في المناطق الريفية»، بينما «يصعب الوصول إلى المستشفيات، التي لا يتوافر لديها المخزون الكافي» من الإمدادات الطبية اللازمة، علماً بأن «حصيلة ضحايا العنف، فاقت 10 آلاف شخص»، فيما «خلّف ذلك الصراع 8 ملايين شخص، أي نحو ثلث عدد سكان اليمن، على حافة المجاعة»، وفق إحصاءات الأمم المتحدة.

أما في الداخل السعودي، فقد شرحت الصحيفة أن الانشغال بمتابعة مجريات الحرب الدائرة داخل حدود الجار الجنوبي، «يزاحم» الاهتمام بقضايا أخرى تنشغل بها الرياض، بما في ذلك الزيارات الخارجية لولي العهد السعودي «صاحب الشخصية الكاريزمية»، محمد بن سلمان، التي تلقى متابعة لافتة على صفحات موقع «تويتر»، حيث يحتفى بصوره مع قادة العالم، والصفقات التي يعقدها معهم.
وبحسب الصحيفة، فإن «الطموح المرتفع (للسعوديين) يمكن قياسه من خلال (تدشين) مشاريع تنموية لامتناهية في الرياض، ومن خلال الفنادق التي تغص أسبوعياً برجال الأعمال الدوليين الذين يتوافدون سعياً خلف فرص اقتصادية وافرة»، فيما «تم تجريد الشرطة الدينية، التي كانت مهابة في الماضي، من صلاحياتها في فرض الضوابط والمعايير الأخلاقية»، حيث يجوب عناصرها أرجاء العاصمة السعودية، وملامح الخيبة والإنكسار بادية في وجوههم، ما «يعد مؤشراً على التغيير».

ومع ذلك، تبقى متابعة الصراع داخل اليمن، تستقطب اهتمام الرأي العام السعودي، حيث «يتفق العديد من المواطنين مع الحجة التي تسوقها الحكومة، بأن التدخل العسكري السعودي في اليمن قبل ثلاث سنوات كان ضرورياً للدفاع عن حدود البلاد ضد مجموعة متمردة، متحالفة مع إيران، الغريم الرئيس للسعودية»، وفق «نيويورك تايمز».

وأكملت الصحيفة أن القادة العسكريين السعوديين «يقرون بأن الصراع في اليمن أكثر تعقيداً مما تصوره»، فيما «ليس لدى (المواطنين السعوديين) الكثير ليقولونه» حول تلك الحرب، بحيث «ليس هناك من حاجة للتفكير ملياً إزاء قرار» بدء الحملة الجوية ضد اليمن، «أو حتى للتساؤل حول سبب استغراق الحرب كل هذا الوقت الطويل»، وإن كان هناك فئة من السعوديين، «تنتقد التدخل الذي جر على بلادهم انتقادات دولية حادة»، جراء سقوط الآلاف من الضحايا المدنيين اليمنيين بفعل الغارات السعودية، «تجد القليل من وسائل التعبير عن تلك الآراء بشكل علني».

وعن مكانة الصراع الدائر في اليمن، في سياق المواجهة الإقليمية بين السعودية وإيران، أوضحت «نيويورك تايمز» أن «القادة السعوديين، ومع ارتفاع حدة التنافس مع إيران، عملوا على إذكاء شعور قومي غير مألوف في الداخل، وترسيخ قناعة لدى الكثيرين بأن القوات المسلحة يمكنها الدفاع عن البلاد، علاوة على إظهار القوة (السعودية) خارج الحدود»، «وهزيمة الأعداء في غضون أسابيع»، مشيرة إلى أن البيانات الصادرة عن قيادة الجيش السعودي حول اعتراض الصواريخ البالستية الواردة من اليمن، «غرست شعوراً بالهدوء والسكينة» في أوساط السعوديين. وأكملت الصحيفة أن «الغزو السعودي لليمن، هدف إلى إرسال رسالة مباشرة إلى إيران، حول قوة (المملكة)، وقدرتها على الاعتماد على ذاتها». هذا، ونقلت الصحيفة عن الباحثة في «معهد دول الخليج العربي» في واشنطن، كريستين سميث ديوان، قولها أن حرب اليمن تعد «جزءاً من محاولة أوسع من أجل تشجيع قيام حس وطني جديد، في الداخل، متجذر في التزامه إزاء مؤسسة الجيش»، مضيفة أن «الجهد السعودي (الحربي) كان أقل تقدماً، مقارنة بجهد جارة المملكة، وشريكتها في التحالف، الإمارات العربية المتحدة، التي أقرت الخدمة العسكرية الإلزامية، وحشدت مواطنيها حول قيم التضحية، والتفاني في سبيل بعضهم البعض، بما في ذلك تدشين نصب تذكاري للحرب» في اليمن.

وفي معرض انتقادها لأداء المملكة العربية السعودية في شرح مبررات الحرب لمواطنيها، رأت ديوان أن «القادة السعوديون قاموا بتسليط الضوء على المجهود الحربي (لبلادهم)، ولكن بطرق أكثر محدودية» من تلك المتبعة إماراتياً، موضحة أن القاسم المشترك بين الرياض، وأبوظبي على هذا الصعيد يتمثل في قيامهما بـ «إبقاء الغطاء محكم الإغلاق حيال أي مناقشة نقدية للحرب». وأكملت ديوان بالإشارة إلى أن الدول عادة «لا ترغب في الظهور بمظهر الضعيف، أقله أمام مواطنيها»، مضيفة أنه «كان متوقعاً أن تسعى المملكة العربية السعودية إلى فرض سيطرتها الصارمة على سردية تلك الحرب»، لا سيما وأن الأخيرة «تفتقر إلى الصحافة الحرة»، على نحو يتيح أمامها «المزيد من الأدوات كي تتمكن من القيام بذلك».

واستعرضت الصحيفة عينة من آراء المواطنين في هذا الصدد، حيث روى أحدهم واقعة «الليلة المروعة من الدخان والنار» لحظة سقوط صاروخ باليستي قرب منزله، قبل أن يستعيد هدوءه بعد يومين من تلك الواقعة، مضيفاً «أننا لا نشعر بهذه الحرب»، و«أننا مرتاحون هنا». بدوره، أفاد عبد الله اليوسف، من داخل أحد مقاهي الرياض، وهو رجل أعمال، أن الحرب «لا تؤثر علينا»، مظهراً ترحيبه برواد المقهى، حيث تركز الحديث عن المباريات الرياضية المنقولة تلفزيونياً في تلك الأمسية، بعيداً عن الأزمة. أما مشاري العسيري، البالغ من العمر 36 عاماً، والذي يعمل مدرساً، فقد قال إن «الضربة (الصاروخية) لم تجعله أكثر قلقاً حيال مجرى الحرب في اليمن». وأضاف: «إنها بلادي. إذا ما اعتقدت أن ثمة خطراً، فأنا أول من سيذهب إلى القتال. إلا أنه لم يكن هناك حاجة لذلك، فنحن أقوياء. وعندما تكون قوياً، لا تشعر بالقلق حيال الأمور الصغيرة».

وفي سياق متصل، استرجعت الصحيفة أحداث ليلة سقوط أحد الضحايا داخل المملكة بصاروخ من اليمن، وأوردت الصحيفة حكاية المواطن السعودي سعود البيشي، الذي حوّل في تلك الأمسية حافلته الصغيرة من طراز «دودج» إلى «ملجأ متنقل، مزود بالمعدات اللازمة» للتعامل مع أي هجوم كيميائي محتمل، فيما قامت سيارات الشرطة الحكومية وقتذاك بتسيير دوريات في الشوارع، وعكفت على تحذير السكان ودعوتهم إلى اتخاذ التدابير من أجل الاحتماء من الهجمات، تزامناً مع قيام جهاز «الخدمة المدنية» السعودية ببث التحذيرات عبر شاشة التلفاز. وأوضح البيشي للصحيفة بقوله «لقد كانت (ليلة) مرعبة».