المشهد اليمني الأول/

كهنة الأمس شيء، وكهنة اليوم شيء اَخر، كهنة ما قبل الإسلام، وكهنة ما بعد الإسلام.

الكهنة جمع والمفرد كاهن، والصفة والنعت والوظيفة كهانة وكهنوت، والكهانة هي طائفة من المتنبئين بالغيب وأكثرهم من سَدنة بيوت الأصنام والأوثان ومنهم كهنة الملوك والفراعنة والقياصرة والأكاسرة والنجاشي، وكهنة العرب والأعراب، ومع هؤلاء الكُهَّان كانت هناك كاهنات من اشهرهن الشعثاء، والزرقاء، وكان لكل كاهن تابع من الجن يصعد في السماء، ويسترق السمع إلى ما تخطه أقلام الملائكة من مصائر البشر، ثم يعود إلى صاحبه الكاهن فيوحي إليه بما تساقط إلى سمعه، وعلى أساس منه يبني الكاهن نبوءاته عن الغيب والمجهول الذي يسأل عنه من يقصده من البشر ملوكاً وفراعنة وقياصرة وعرب وأعراب، الباحثين عن حلول لما يعترض حياتهم من مشكلات غامضة لاتملك عقولهم وسيله لحلها، أو لما يقدمون عليه من أعمال خطيرة لايعرفون نتائجها كالحروب والغزو والإغارة على الاخرين.

وقد أخبرنا القران الكريم بذلك في سورة الجن وسورة الصافات، وأنهم كانوا يقعدون من السماء مقاعد للسمع لسرقة أخبارها من الملائكة، وأن رجال من الإنس كانوا يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً، وبعد ظهور الإسلام حيل بينهم وبين السماء، إذ وجدوها مُلئت حرساً شديداً وشهبا، فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً يحرقه قبل أن يصل إلى أبواب السماء.

وكان الكُهَّان يعيشون حياة كهنوتية غامضة تموج بأسرار مجهولة ومبهمة كأنها وسوسات ولغة الشياطين الذين يوحون إليهم نبوءاتهم حول أسرار الغيب المجهول، حياة كهنوتية غامضة تحولت في أذهان الناس إلى أساطير خيالية جعلت العرب والأعراب يعتقدون فيهم قدرات خارقة يعجز عنها البشر فأحاطوهم بهالات من التقديس والقداسة مترافق مع كثير من الرهبة والخوف والحذر، وكهانة إستراق السمع ومعرفة الغيب إنتهت بدين الرحمة للعالمين والقرآن الكريم الذي وَضَّح وبَيَّن الحق من الباطل، والخير من الشر، ومن الصديق والأخ من العدو، والأشد عدواة، والأقرب مودة، وحلف الظالمين، والملوك الفاسدين، ولن تظلوا بعدي أبدا ما إن تمسكتم به كتاب اللّه وعترتي آل بيتي “حديث شريف تتفق كل الطوائف بدون إستثناء على صحته وقوته والجميع يعتبر أنه أقوى من روايات “سُنتي” مع عدم تعارض كلا الروايتين، لكن يجب أن يعرف الجميع والكل أن حديث عترتي آل بيتي أقوى من سُنتي بإجماع الجميع”.. وبعد 1200 سنة هجرية إستمسك البعض بسُنتي سُنَّة آل سعود وبن عبد الوهاب، بعيداً كل البعد عن البعد عن مضمون “كتاب اللّه وسُنتي” وأصبحت سنة آل سعود وآل الشيخ التي إنتهت إلى تكفير وقتل المسلم في بلاده ووطنه، والترحيب والتعايش مع المحتل والغازي الخارجي تحالف أولياء بعضهم أولياء بعض الأعداء بكتاب اللّه وعترتي آل بيتي وحتى سُنتي.. فالعدو بالقرآن الكريم صديق ومرحب به، والمسلم بالقرآن الكريم عدو ومشرك وكافر ورافضي ومجوسي ويعبد القبور، و قتله حلال حتى وهو يصلي…إلخ..

إنها الكهانة المتجددة بكهنة وكهنوت النفط والدولار والريال السعودي والقطري والدرهم الاماراتي أولياء أمريكا وإسرائيل، بالإعلام الخليجي الناطق بالعبرية العربية.

وهناك شكل آخر من أشكال الكهانة عرفها مجتمع عرب وأعراب ما قبل الإسلام، هي كهانة “سجع الكُهَّان” فالكاهن هنا هو “حَكَم” بين المتخاصمين وهو خطيب متميز بفنون الأدب والبلاغة والسجع، ويتكهن بالغيب ويَحكُم بالحق بين المتخاصمين الذين يختارون الكاهن ليحكم بينهم وفق شروط محدده سلفاً، ومن هَؤلاء الكُهَّان نذكر:-

– الكاهن قس بن سَاعدة الأيادي والذي خطب في سوق عكاظ قائلاً: (أيها الناس:- إسمعوا وَعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ماهو اَت اَت.. ليلٌ داج، ونهارٌ ساج، وسماء ذات ابراج.. إِن في السماء لخبرا، وإن في الإرض لَعِبرا.. يُقسِم قس باللّه قسما لا إِثم فيه: إن للّه دينا هو أرضى لكم وافضل من دينكم الذي أنتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً).

– وهناك الكاهن الخزاعي الذي حَكم بين هاشم بن عبد مناف، وبين أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على السِّقاية والرَّفادة، واطعام زوار بيت اللّه الحرام الكعبة المشرفة.. والحكاية تقول:- بأن هاشم تولى بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السِّقاية والرَّفادة والرئاسة، فحسده إبن أخيه أميو بن عبد شمس وكان ذا مال، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز عنه، فَشَمتت به قريش، فغضب ونال من هاشم، ودعاه إلى الإحتكام إلى الكُهَّان فاحتكما على خمسين ناقة سود الحدق تنحر في مكة والجلاء عن مكة عشر سنين، وجعلا بينهما حَكماً هو “الكاهن الخزاعي” ومنزله بعسفان قرب مكة، وكان مع أمية “هَمهَمَة بن عبد العزي الفهري”، وكانت إبنته عند أميَّه.

وبعد التحضير بالتقاليد والمراسيم و حضور سادة وأشراف القبائل، وإقامة الولائم والذبائح وتقديم الأطعمة وفي جو إحتفالي أصدر الكاهن الخزاعي حُكمه بخطاب سِجعِ الكُهَّان فقال :(والقمرِ الباهر، والكوكب الزاهر، والغمامِ الماطر، وما بالجَوِّ من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، مِن مُنجد وغائر، لقد سبق هاشمُ اُميَّةَ إلى الماَثر، أولُ منه واَخر، وأبو همهمةَ بذلك خَابِر).. فقضى لهاشم بالغلبة، وأخذ هاشم الإبل، فنحرها وأطعمها، وغاب اأميَّه عن مكة بالشام عشر سنين.

كهنة الأمس استرقوا السمع من السماء.. وكهنة اليوم يتلقون السمع من سفارات وغرف مخابرات حلف إسرائيل وأمريكا الأعداء بالقران الكريم.

كهنة الأمس قالوا للرسول محمد صلَّ الله عليه وآله وسلم، قالوا للرسول الكريم “كاهن وساحر”.. واليوم كهنة السفارات وفنادق الرياض والإمارات وحتى تركيا والأردن يقولون كهنة وكهنوت يستخدمون السحر والأسحار لإسقاط المعسكرات والطائرات وإحراق المدرعات والدبابات.. كما قال البوق الأول للعدوان الجنرال عسيري، وكما أفاد الرئيس الشرعي هادي في مؤتمر الرياض الشهير.

كهنة الأمس انتهوا بالقرآن الكريم ورسول الرحمة للعالمين والأنصار قبائل الأوس والخزرج القبائل اليمنية.. وكذلك كهنة اليوم سينتهون بالقرآن الكريم وعترتي آل بيتي وأحفاد الأنصار الأوس والخزرج القبائل اليمنية.

أما بعد.. فالمقارنة بين كهنة الأمس وكهنة اليوم غير منصفة وليست عادلة، فكهنة الأمس كهنة قبل الإسلام لم يسفكوا الدم والدماء.. كما سفكها كهنة الإسلام السعودي الوهابي الإخواني وبالملايين، والسبب بسيط جداً كهنة قبل الإسلام كانوا يسترقون السمع من سماوات الحق.. بينما كهنة الإسلام السعودي والوهابي والإخواني يتلقون السمع من سفارات وعواصم الباطل اليهود وأمريكا وبريطانيا العظمى وبني صهيون أوامر مقدسة لإستحلال الباطل والحرام.. أوامر مقدسة بتحريم الحق والحلال.. فالجهاد حلال وواجب ضد المسلمين في ديارهم.. والجهاد حرام ومكروه ولايجوز ضد الصهاينة اليهود المحتلين لديار العرب والمسلمين، وغير جائز ومكروه ضد الإستعمار الغربي البريطاني والفرنسي والأمريكي حتى الغازي والمحتل الجديد الموالي السعودي والإماراتي حتى المحتل الوهابي التكفيري من الشيشان والقوقاز والهولندي وأخيراً المصري في شوارع تعز الثقافة والتحضر.. والله لايهدي القوم الظالمين.. ومن أصدق من الله قيلاً.. ألم نقل لكم سلفاً بأن لأمريكا في أدواتها شؤون وشؤون.
ــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم/ جميل أنعم العبسي