المشهد اليمني الأول/

في إطار مدروس وممنهج، بات الإعلام السعودي يروج للتطبيع مع كيان الاحتلال، ليس من خلال مقدمي البرامج والإعلاميين والكتّاب السعوديين، بل بتعمد استضافة شخصيات صهيونية سياسية أو دينية، تروج لتقارب بين العرب والصهاينة.

وكانت صحيفة “سبق” السعودية، نشرت حوارًا مع رئيس مؤتمر الحاخامات الأحبار الأوروبيين، بنخاس قولد شيميدت، تحدث فيه عن الصراعات في الشرق الأوسط، والقضية الفلسطينية، والإصلاحات الداخلية في المملكة، وولي العهد محمد بن سلمان.

والحوار أجراه في النمسا، نائب رئيس تحرير “سبق” الإلكترونية، شقران الرشيدي، المقرب من البلاط الملكي، وقبل الخوض في مضمون الحوار، يجب التركيز على كارثية التعاطي الإعلامي السعودي مع الصهاينة واستضافتهم، والتغاضي عن العدواة الأزلية بين العرب وكيان الاحتلال، وهي سياسية خطيرة مهدت لها دول عربية أخرى مثل قطر.

ولم تكن “سبق” الصحيفة الأولى التي تجري حوارًا مع أحد الصهاينة، بل أجرى موقع صحيفة “إيلاف” السعودي أيضا، مقابلة في نوفمبر الماضي، مع رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، غادي إيزنكوت، الذي أكّد وجود توافق تام بين تل أبيب والرياض، فيما يتعلق بإيران، وأنّ السعودية لم تكن عدواً في أي يوم من الأيّام لإسرائيل.

وفي ديسمبر الماضي، أجرت “إيلاف”، لقاء مع وزير الاستخبارات والاتصالات الصهيوني، يسرائيل كاتس، الذي دعا ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى زيارة تل أبيب، وطالب الملك باستضافة نتنياهو في السعودية.

رسالة إيزنكوت السياسية بالتوافق بين تل أبيب وبعض العواصم العربية، أكدتها صحيفة سبق، لكنها بغلاف ديني، حيث أكد الحاخام اليهودي، أنه سيتحقق السلام بين العرب واليهود في يوم ما، محاولا شرعنة الاحتلال وصبغه بالإنسانية، قائلا: “أنا متأكد، أنه على المدى الطويل لا يمكن لبلد ما أن يحتل أرضا لشعب آخر مكون من مليونين أو ثلاثة دون أن تعطيهم حقوقهم الإنسانية؛ هذا لا يمكن، وأنا مؤمن بهذا الأمر”.

وللمفارقة، فإن استضافة الصحيفة السعودية لشخصية دينية إسرائيلية تتحدث عن الحقوق الإنسانية، تتزامن مع قمع ديني من قبل الكيان الصهيوني للمسيحيين بإغلاق كنيسة القيامة، والمسلمين من خلال اقتحام عشرات المستوطنين للمسجد الأقصى تزامناً مع بدء عيد “المساخر” العبري، الأمر الذي لم يتطرق إليه الحاخام الإسرائيلي في حديثه.

ويبدو أن الحاخام بدأ يركز على نغمة السلام الاقتصادي، التي باتت تروج لها بعض الأنظمة العربية في التطبيع مع العدو الإسرائيلي، كالتعاون من أجل المنفعة المادية وتجاهل الدماء الذي سفكها العدو؛ من خلال صفقات الغاز والكهرباء ومشاريع تحلية المياه، حيث قال إن السلام “يعتمد على وجود القيادات السياسية القوية المؤمنة بالسلام، وتوفر المال لبناء البنى التحتية وتعزيز التنمية ودعم الفلسطينيين بالتكنولوجيا والاقتصاد القوي، ووجود الضامن السياسي القوي والمحايد لمسار هذا السلام حتى يستمر”.

كلام الحاخام حول قطاع غزة توافق مع كلام وزير الخارجية السعودية، عادل الجبير، الذي وصف حركة حماس يوم السبت الماضي، بالتطرف والإرهاب، حيث قال شيميدت “الإسرائيليون أعادوا للفلسطينيين قطاع غزة لحكمها؛ فماذا حدث لهم؟ تحولت إلى مشكلة أكبر وكأنها قطاع لتنظيم داعش الإرهابي وإيران، وبدلا من حدوث سلام واستقرار؛ صارت الصواريخ تطلق على المدن الإسرائيلية من غزة؛ وبالتالي يتساءل الإسرائيليون: إذا منحنا الفلسطينيين أراض أكثر من غزة؛ ماذا سيحدث لنا؟ هل سيعيشون معنا في حرب دائمة؟”.

وأبدى الحاخام شيميدت إعجابه بالتغيير الذي يحدث في المملكة العربية السعودية، على يد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، قائلا: “السعودية بلد يتغير من الداخل للأفضل”، بفضل فتح المجال أمام الأصوات الداعمة للتطبيع، والحط من شأن القضية الفلسطينية، مثل الكاتب تركي الحمد، الذي قال إن القضية لم تعد تهمه؛ إذ أصبحت “قضية من لا قضية له”، كما يرى الكاتب السعودي عبد الحميد الحكيم، مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات بجدة، في القدس رمزا دينيا لليهود، وأنها بالنسبة لهم في قداسة مكة والمدينة عند المسلمين.

في المقابل، تكمم السلطات السعودية الأصوات التي تناهض التطبيع؛ حيث اعتقلت الناشطة السعودية نهى البلوي؛ لانتقادها خطوات التطبيع السعودية مع الكيان الصهيوني، كما لم تسأل “سبق” الحاخام اليهودي عن فتاوى عوفاديا يوسف، أحد أكبر وأشهر الحاخامات اليهود في إسرائيل والزعيم الروحي لليهود الشرقيين، التي قال فيها “العرب أنجاس وأفاعٍ”، وأن “الله يندم كل يوم على أنه خلق ذرية لإسماعيل”.

بقلم/ خالد عبدالمنعم