المشهد اليمني الأول/

دخلت العلاقة بين حكومة هادي ودولة الإمارات منعطفا جديدا، بعد اتهامات رسمية يمنية هي الأولى من نوعها لثاني أكبر دول التحالف السعودي، بالابتعاد عن الهدف الذي جاءت من أجله إلى اليمن، وإنشاء جيوش مناطقية تعمل على تفكيك البلد الذي يشهد حربا منذ نحو ثلاث سنوات.

فبعد أسابيع من حرب باردة بين الطرفين، تزايدت وتيرتها عقب المعارك التي شهدتها العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (جنوب)، فتح  صالح الجبواني وزير النقل بحكومة الرئيس المستقيل عبدربه منصور هادي، أول أمس الأحد، النار على الإمارات، متهما إياها بالعمل على دعم فصائل مسلحة خارج نطاق الشرعية، والعمل على تعميم الفوضى.

وطوال الفترة الماضية، كانت الاتهامات للإمارات بدعم الفصائل المسلحة تقتصر على نشطاء موالين لحكومة هادي، لكن توجيه الاتهامات هذه المرة على لسان وزير ينحدر من المحافظات الجنوبية المحررة من قوات “أنصار الله” (الحوثيين)، قد يذهب بالعلاقة بين الحكومة والإمارات إلى سيناريوهات جديدة.

والإمارات هي ثاني أكبر دول التحالف الذي تتزعمه السعودية، بحجة استعادة اليمن من “الانقلاب الحوثي”، وتشرف أبوظبي بشكل رئيسي على الملف العسكري والأمني في المحافظات الجنوبية والشرقية المحررة من الحوثيين، منذ منتصف 2015.

وتواجه الإمارات اتهامات بالعمل على إضعاف سلطة حكومة هادي  في المناطق التي يفترض أنها خاضعة لها، وامتلاك أهداف خفية في اليمن.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الإمارات على اتهامات الوزير الجبواني، لكنها تقول دوما إنها تقف بجانب اليمن واستقراره، وليس لديها أطماع فيه، وإن هدفها مع السعودية هو إنهاء الانقلاب ودحر الحوثيين.

وتزعم أبوظبي إنها قدمت مساعدات لليمنيين منذ بداية الحرب بأكثر من 2.7 مليار دولار، فضلا عن تقديم مساعدات طبية عبر الهلال الأحمر الإماراتي لمكافحة الكوليرا، استفاد منها أكثر من 300 ألف يمني.

وتستعرض الأناضول في الإطار التالي أدوار الإمارات العسكرية في المحافظات الجنوبية، والتي يرى مسؤولون يمنيون أنها تهدد بحرف مسار التحالف .

قوات “الحزام الأمني” في عدن

تتزعم الإمارات قوات التحالف في المحافظات الجنوبية. ومنذ “تحرير” عدن والمحافظات الجنوبية في يوليو / تموز وأغسطس / آب 2015، يتولى قيادة قوات التحالف مسؤول عسكري إماراتي، وينوبه مسؤول سعودي.

وعقب التحرير، أنشأت الإمارات ما تسمى “قوات الحزام الأمني” في عدن، وهي خليط من عسكريين جنوبيين، أغلبهم ينحدرون من جماعات سلفية، ومقاتلين طامحين إلى انفصال جنوب البلاد عن شماله، وتم تدريب عدد منهم في قواعد عسكرية إماراتية بمنطقة القرن الإفريقي.

وأوكلت الإمارات لهذه القوات مسؤولية حماية محافظات عدن ولحج وأبين والضالع بالكامل. ووفقا لاتهامات حكومية، تم دعمهم بدبابات ومدرعات إماراتية شاركت في عملية “التحرير”، وجرى إنشاء معسكرات لهم في عدن.

وبحسب مصادر حكومية للأناضول، فإن تلك القوات المقدر عددها بأكثر من 10 آلاف، ليست رسمية، وليس لديها أرقام عسكرية في “الجيش الوطني” و”القوات المسلحة اليمنية”، ولا تمنحهم حكومة هادي رواتب شهرية، إذ يتقاضون رواتب من الإمارات، بواقع 1500 ريال سعودي شهريا لقادة الوحدات ونقاط التفتيش، وألف ريال للأفراد.

وقالت المصادر إن الإمارات أسندت الملف الأمني بين المحافظات الجنوبية والشمالية إلى وحدات عسكرية متطرفة لمصلحة الانفصال، وتعرقل هذه الوحدات يوميا دخول المواطنين من المحافظات الشمالية إلى عدن، وتعيد أغلبهم بحسب الهوية الشخصية.

ونفذت “قوات الحزام الأمني” سلسلة حملات دهم في أكتوبر / تشرين الأول 2017، لمقرات حزب التجمع اليمني للإصلاح، واعتقلت عددا من قادته. كما شهدت فترة سيطرتها على عدن اغتيالات شملت أئمة مساجد.

كما اعترضت هذه القوات في 12 أكتوبر / تشرين الأول الماضي، موكب أحمد عبيد بن دغر رئيس حكومة هادي ، وأطلقت عليه النيران أثناء توجهه إلى لحج لافتتاح معهد تقني، وأجبرته على العودة.

وجعلت الإمارات هذه القوات تحت تصرف “المجلس الانتقالي” المطالب بالانفصال، وهي تسيطر بشكل شبه كامل على الوضع الأمني في عدن، بعد أن شنت في 28 يناير / كانون الثاني الماضي، هجمات على آخر القواعد العسكرية الموالية للشرعية، وكانت قد حاصرت قصر “معاشيق” الرئاسي الذي تقيم به الحكومة، قبل أن تتدخل السعودية وتدعو إلى هدنة.

 “النخبة الحضرمية” في حضرموت

في أبريل / نيسان 2016، نفذ التحالف السعودي عملية عسكرية لـ”تحرير” مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت (شرق)، من تنظيم القاعدة، بعد عام من سيطرته عليها.

وبدلا من سيطرة الأجهزة الأمنية الرسمية على الوضع في المكلا، أوكلت الإمارات المهمة إلى قوات جديدة أنشأتها ودربتها، وتعرف بـ “النخبة الحضرمية”.

وتنتمي تلك القوات إلى محافظة حضرموت فقط، وتسيطر على جميع المواقع الحكومية السيادية، وعلى رأسها “مطار الريان”، وميناء المكلا، وميناء “الضبة” النفطي.

ووفق اتهامات حكومية، ترفض الإمارات استئناف العمل في مطار الريان لخدمة أبناء المحافظات الجنوبية والشمالية.

وأفادت منظمات حقوقية دولية، العام الماضي، بأن المطار تحول إلى معتقل لخصوم الإمارات، وأغلبهم من الإسلاميين.

ولا يعرف تحديدا حجم تلك القوات المسيطرة على المكلا، لكن مصادر رجحت أنها أكثر من 6 آلاف جندي.

وتضم حضرموت حقول نفط. وكانت مصادر رسمية اتهمت الإمارات بمنع الحكومة من استئناف إنتاج النفط وتصديره عبر ميناء “الضبة”، وهو ما من شأنه إنعاش الاقتصاد المتدهور منذ ثلاثة أعوام.

النخبة الشبوانية” في شبوة

كما هو الحال في محافظتي عدن وحضرموت، أنشأت الإمارات قوات “النخبة الشبوانية” في شبوة، وهي محافظة غنية بالنفط والغاز (جنوب شرق)، وتم “تحريرها” بالكامل من الحوثيين خلال الأسابيع الماضية.

وتمتلك “النخبة الشبوانية” أسلحة ثقيلة متطورة. وكشف وزير النقل صالح الجبواني، أنها اعترضت طريقه بالدبابات والمدرعات والأسلحة المتوسطة عندما كان يريد وضع حجر الأساس لميناء محلي.

وباتت قوات النخبة تسيطر على منابع الغاز والنفط في المناطق الساحلية لشبوة.

ورغم إعلان تنفيذ قوات النخبة، الاثنين، عملية عسكرية ضد “القاعدة” في بلدة “الصعيد” بشبوة، إلا أن الجبواني قال إن “الجيوش القبلية والمناطقية التي أنشأتها الإمارات، هي سبب الوضع المزري في المحافظات المحررة، وأسهمت في انتشار غير مسبوق لتنظيم القاعدة، لم تكن تلك المناطق تشهده من قبل”.

وإضافة إلى عدن وحضرموت وشبوة، دعمت الإمارات تشكيل قوات شبيهة في محافظتي جزيرة سقطرى والحديدة من أجل العمليات العسكرية في الساحل الغربي.

لكن أبوظبي عجزت عن تنفيذ ذلك في محافظة تعز (جنوب غرب)، حيث رفضت قوات حكومة هادي تشكيل حزام أمني موال لها يتكون من الجماعات السلفية، كما الحال في الجنوب.

 حكومة هادي عاجزة عن معالجة الأزمة

تقف حكومة هادي عاجزة عن فعل أي شي تجاه تحركات الإمارات في اليمن، وتلجأ إلى السعودية التي تقود منذ 26 مارس / آذار 2015 التحالف الداعم لها في مواجهة  الحوثيين.

لكن بعض المراقبين يرون أن التحركات الإماراتية تتم بضوء أخضر سعودي، خاصة بعد إعلان التحالف السعودي باليمن، في بيان الشهر الجاري، أن “هدف السعودية والإمارات واحد، ورؤيتهما مشتركة”.

وشعرت حكومة هادي بخطورة الأدوار الإماراتية في إنشاء ودعم تلك القوات، وأعلنت على لسان رئيسها أحمد عبيد بن دغر، أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، أنها أقرت دمج الوحدات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، والتي تشكلت “على أساس مناطقي” في الجيش.

وأضاف “بن دغر أن قراره الذي يبدو من الصعب تنفيذه حاليا، “يهدف إلى بناء وحدات تتكون من أفراد لا ينتمون إلى منطقة محررة بعينها، بل إلى كل المناطق المحررة، ولا تحكمها عصبية مناطقية أو سياسية”، مشددا على أن ذلك “هو الأساس في تكوين كل جيوش العالم والمؤسسات الأمنية”.

وأعلن ما يسمى “المجلس الانتقالي” الجنوبي، حينذاك، رفضه لأي قرار بدمج الوحدات العسكرية، وفسّرها بأن الحكومة تهدف إلى دمج الوحدات المتواجدة في الشمال مع الوحدات المتواجدة في الجنوب، وهو ما نفته الحكومة.

ومن المتوقع أن تشهد علاقة حكومة هادي مع الإمارات توترا أكبر خلال المرحلة المقبلة، لا سيما أن اليومين الماضيين شهدا إطلاق نشطاء يمنيين هاشتاج (وسما) على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان “رحيل الإمارات مطلبنا”، وهو ما رد عليه موالون للإمارات في المحافظات الجنوبية بهاشتاج آخر حمل عنوان “الإمارات صمام أمان”.