المشهد اليمني الأول/

تحت عنوان «السعودية والإمارات تلتهمان اليمن»، ذهبت مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية، إلى أن الأدوار العسكرية السعودية والإماراتية داخل اليمن، تسهم في «تعقيد الأمور» هناك، مشيرة إلى تفكك الوحدة اليمنية وسط إحكام كل من السعودية والإمارات قبصتهما على مساحات واسعة من البلاد.

وعن الطموحات التجارية الكامنة خلف سياسات كل من الرياض وأبو ظبي في اليمن، لفتت «ذي إيكونوميست» إلى أن الرياض تعمل على استحداث «ممر (تجاري) جديد باتجاه الساحل» اليمني، فيما يبدو دور أبو ظبي على الساحة اليمنية «جزءاً من استراتيجية أوسع للإطباق على الموانئ» الواقعة على إحدى أكثر طرق التجارة العالمية ازدحاماً، في إشارة إلى سواحل اليمن المترامية، وذات الأهمية الإستراتيجية، وذلك في إطار مساعي الحكومة الإماراتية لـ «تعزيز المكانة (الإقليمية) لميناء جبل علي، كأكبر موانىء المنطقة»، سواء عن طريق «ضرب المنافسة (من جانب موانىء اليمن)»، أو «عبر توجيه حركة الشحن البحري في اتجاه» مينائها المذكور. وفي هذا الإطار، نقلت المجلة البريطانية عن مسؤولين سعوديين وإماراتيين قولهم، إن عملهم داخل الأراضي اليمنية يندرج ضمن «جهود الحرب» التي يتولاها بلديهما.

أما عن الأجندة السياسية للسعودية في اليمن، فقد أوضحت المجلة أن الجانب السعودي، ومن خلال العناصر المحسوبة عليه في مطار الغيضا، شرق اليمن، عمل على «شراء ولاء شيوخ القبائل في مناطق شرق، وجنوب اليمن من خلال توزيع الأسلحة، والسيارات، وجوازات السفر السعودية» عليهم، وذلك بغية «وقف شحنات الأسلحة الإيرانية الواردة»، فيما عكف على «تدريب مقاتلين موالين لـ هادي» في سيئون، الواقعة في غربي اليمن، تزامناً مع «العمل بشكل وثيق» مع نائب الرئيس اليمني، علي محسن الأحمر، وحزب «التجمع اليمني للإصلاح» من أجل بناء الجيش اليمني.

أما الدور الإماراتي في اليمن، فقد كان «أكثر نشاطاً»، حيت «تمكنت الإمارات العربية المتحدة من السيطرة على سلسلة من الموانىء اليمنية، مثل المكلا، وعدن والمخا»، فضلاً عن «سيطرتها على مصنع بلحاف، وهو المنشأة الوحيدة للغاز المسال في اليمن، إلى جانب ميناء تصدير النفط في مدينة الشحر». كذلك «تبدو جزيرة سقطرى، ذات الأهمية الاستراتيجية، وعلى نحو متزايد، كقاعدة عسكرية إماراتية»، فيما تتولى أبوظبي «إدارة معسكرين في حضرموت النائية، حيث قامت قواتها بتدريب 25 ألف مقاتل محلي».

وعن آراء المجتمع المحلي بالوجود الإماراتي والسعودي في اليمن، لفتت «ذي إيكونوميست» إلى أن «كثيرين يرحبون بالإماراتيين والسعوديين». وفي هذا السياق، عبّر عبد الهادي التميمي، وهو مسؤول حكومي في محافظة حضرموت، للمجلة بقوله: «دعك من مفاهيم السيادة التي عفا عليها الزمن. بإمكاننا جميعاً الاستفادة والتربح من التجارة»، في إشارة إلى إيجابيات العلاقة مع أبو ظبي. وفي الإطار عينه، شرحت المجلة أن الإمارات توفر الدعم المالي لإقامة مستشفيات، وتخطط لتشييد محطة جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية داخل حضرموت «المتعطشة للطاقة». وإذا كان المسؤولون المحليون في سيئون «يشيدون» بجهود السعودية في تدريب، وتشكيل فصائل من المقاتلين المحليين بغرض محاربة الإرهاب، ويعتبرونها «حصناً ضد تنظيم القاعدة»، فإن السكان المحليين فيها يرون أن المقاتلين المحليين، الذين تولت الإمارات تدريبهم، «أكثر انضباطاً من الجنود اليمنيين» على حواجز التفتيش.

من جهة أخرى، شرحت «ذي إيكونوميست»، أن «هناك أناساً آخرين يخشون من تمدد مساحات فقدان السيطرة الحكومية» على مناطق مختلفة من البلاد، في ضوء تولي السعوديين، والإماراتيين إدارة سجون، ومراكز احتجاز لحسابهم، دون علم مسؤولي حكومة هادي. ففي محافظة المهرة، على سبيل المثال، والتي يبلغ تعداد سكانها حوالي 160 ألف شخص، «يشكو المهربون من خسارة في أعمالهم، في ظل الحظر الذي يفرضه الوافدون الجدد»، فيما «يتخوف القاطنون فيها من فرض اللغة العربية من جانب الدول الخليجية (ضمن التحالف)»، بديلاً من اللهجة المهرية، التي تعود إلى عصور غابرة. وأشارت المجلة إلى ارتفاع منسوب تلك المخاوف جراء منح جوازات سفر من جانب بعض تلك الدول لقاطني المهرة وسقطرى، كونه يعني قابلية ضمهما (إلى الإمارات العربية المتحدة) «من الناحية النظرية».

وفي ما يخص تباينات السعودية والإمارات حيال اليمن، أوضحت «ذي إيكونوميست» أن «التوترات تتزايد بين وكلائهما»، في ظل سعي الرياض إلى «إعادة تأسيس الجيش الشمالي القديم، تحت قيادة محسن الأحمر»، من جهة، وجهود أبو ظبي الرامية إلى «إعادة إقامة (دولة) جنوب اليمن». وبالوقوف عند اشتباكات عدن الأخيرة، رأت المجلة أن سيطرة «الإنفصاليين» المدعومين إماراتياً، على المدينة الجنوبية، جاءت بـ«رضى سعودي»، وتعد «جزءاً من استراتيجية (فرق تسد)، المتبعة من قبل الدولتين الخليجيتين». «فالميليشيات الجديدة والمتعددة، المدعومة من جانب تلك الدول الخليجية، تسهم في تسريع وتيرة تفكك اليمن». كذلك «يعمد قادة القبائل إلى استغلال حالة الفوضى، فيما تعكف الشخصيات التي تزعم تمثيلها للدويلات، والمحافظات التي شكلت تاريخياً المحمية البريطانية في عدن، على نفض الغبار عن الأعلام والرايات القديمة». ومن هذا المنطلق، تعهد السلطان عبدالله بن عيسى آل عفرار، والذي أعلن نفسه سلطاناً على المهرة وسقطرى، بمقاومة ما أسماه «(قوات) الاحتلال، الذي تقودها السعودية». وأكمل، في حديث إلى المجلة البريطانية، «إننا نخشى أن اليمن لن يعود موحداً مرة أخرى».