المشهد اليمني الأول/

عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والجنون الأمريكي الذي جعل من العالم العربي والإسلامي هدفًا لتجربة و”بيع” أسلحة جديدة، شهدت سوق الطائرات بدون طيار “الدرونز” بدايتها الفعلية، حيث دشن جورج بوش الاغتيالات بواسطة هذا الأسلوب الشيطاني، على حكومات تابعة تمامًا للسياسة الأمريكية، وأولها باكستان وأفغانستان.

اليمن حصدت نصيبها من الموت الأمريكي الطائر أكثر مما تتحمله النعوش، منذ 2002، ضحايا أبرياء بالعشرات، منهن نساء وأطفال وعجائز، بحسب تقارير لمنظمة العفو الدولية، سقطوا نتيجة الوحشية الأمريكية، مقابل بضع أسماء فقط من المستهدفين الفعليين للمخابرات المركزية الأمريكية، التي تقود عمليات الدرونز، وليس وزارة الدفاع كالمعتاد.

البداية مع علي عبد صالح، الذي جعل من جنوب اليمن معبرًا للمجاهدين الأفغان، بعد انتهاء دورهم في الحرب الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي، حلًا لمشاكل الدول التي صدرتهم في البداية لأفغانستان، ولم ترغب في تحمل عبء التعامل مع جماعات جهادية مسلحة تتقن أساليب حرب العصابات، في مقابل حزم من المساعدات السخية لمكافحة الإرهاب، في صورة أموال وأسلحة.

استثمر “صالح”، الذي أتقن لعبة التاجر الشاطر، وأودت في النهاية برأسه، بالميليشيات الجهادية، الممثلة في القاعدة، ضد أصحاب نزعات الانفصال في الجنوب اليمني وخاصة من الاشتراكيين، بالتوجيه والتخويف، ليحصد في النهاية استقرار طويل على كرسي الحكم، ثم ترك بلاده تغرق أمام أول اختبار حقيقي، بين السلاح المتوفر في اليمن، والرايات السوداوية التي تستدعي التدخل الغربي على الدول المستهدفة.
نمت القاعدة وارتبطت بحاضنة شعبية، بفعل تسامح أجهزة النظام، وظروف الحرب الأهلية، التي اندلعت بين الشمال والجنوب مطلع التسعينات، لتجد في غياب الدولة فرصة مواتية لإحكام ارتباطها بجنوب اليمن، الفارغ مقدمًا من مشروع، الغارق في وحل الخروب والسلاح.
غض صالح، ومن ورائه شيوخ القبائل، البصر عن الغارات الأمريكية بدون طيار، لمدة 9 سنوات كاملة، لقاء ما اعتقد أنه أمن نظامه بالكامل، واستمرت وتيرة الغارات التي اتخذت من جيبوتي منطلقًا لها تتصاعد طوال عهد بوش الابن، حتى جاء أوباما يحمل المزيد من الموت لليمن، حيث ارتفعت وتيرة القصف بمعدل 4 أضعاف، بعد 2009، في إطار خطط الرئيس السابق لمنع تورط قواته في حروب على الأرض، واعتمدت الإستراتيجية الأمريكية على الطائرات بدون طيار بسبب التكلفة، حيث تنعدم الخسائر البشرية للقوى القائمة بالغارات، وتقل التكاليف الفعلية عن النصف تقريبًا.

وحتى بعد 2011، استمرت الغارات الأمريكية في استباحة الجنوب، وقال عبد ربه منصور هادي، الرئيس المنتهي، في سبتمبر 2012، إنه شخصيًا فقط من يمنح الموافقة على كل غارة أمريكية بطائرات بدون طيار في بلاده، ووصف الطائرات التي يتم التحكم بها دون الحاجة لطيار، بأنها “أعجوبة فنية”!.

ثورة الربيع العربي في اليمن مثلت الدور الفارق في حياة تنظيم القاعدة، فالتنظيم الذي استفاد من رخاوة الدولة ومهادنتها في عهد “صالح”، طور من وجوده ليصبح لاعبًا رئيسًا في مستقبل الجنوب، وسلاحه الأساسي غياب الدولة تمامًا، وأمكنه تحويل الغارات الأمريكية إلى صك قبول وسط المسلحين من أبناء الجنوب، ليكتسب المزيد من الأرضية والتأثير.

اليمن التي تحارب على جبهة السعودية الآن، وراء جيشها الوطني ومؤسساتها الشرعية في صنعاء، تنتظرها معركة في الجنوب لا تقل ضراوة عن معركة الشمال، فمن فشل في دخول اليمن سيحاول تقطيع البلد بين شمال وجنوب، وجرها إلى معركة استنزاف بالجنوب، في عكس للأدوار فاضح وقذر.

قُدر لليمن أن تكون الأرض التي تشهد انكسار مملكة المؤامرات على العالم العربي، وكما كسرت سوريا والعراق، بالأمس القريب، ميليشيات داعش وأحبطت مموليها، فاليمن قادر بأبنائه على استكمال صفحات انتصار عربي أكيد وقريب.

أحمد فؤاد – كاتب مصري