المشهد اليمني الأول/
في خطوة استنكارية لموافقة رئيس الوزراء الباكستاني على إرسال فرقة عسكرية إلى السعودية، استدعى مجلس الشيوخ الباكستاني وزير الدفاع خرم دستغير خان للمثول أمام المجلس في وقت لاحق من اليوم الاثنين، بينما يرجع متابعون هذا التحول في موقف إسلام آباد إلى أسباب داخلية مرتبطة بالسياق الانتخابي وأخرى خارجية تتصل بمصالح اقتصادية.

وأعلن الناطق باسم الجيش الباكستاني أن فرقة من القوات البرية والبحرية سترسل إلى السعودية في مهمة “تدريبية واستشارية”، في إطار ما وصفه بالتحالف العسكري الإستراتيجي بين باكستان والسعودية. وأكد أن القوات ستتمركز في السعودية ولن تشارك في أي مهمات خارج حدودها.

ويأتي القرار بعد اجتماع قائد الجيش الباكستاني الجنرال قمر جايود باجوا مع السفير السعودي لدى باكستان نواف المالكي في مقر قيادة الجيش في راولبندي شمالي باكستان.

زيارات متواليةوكان قائد الجيش الباكستاني قد زار الرياض مطلع الشهر الجاري لمدة ثلاث أيام، وهي الزيارة الثانية له في غضون شهرين. وجاء ذلك عقب زيارة مماثلة للأخوين شهباز ونواز شريف إلى العاصمة السعودية بهدف تنشيط التعاون العسكري بين البلدين.

وقد أثارت الخطوة التي أعلنتها المؤسسة العسكرية الباكستانية استهجان أعضاء بمجلس الشيوخ لأنها تتعارض مع القرار الذي أقره البرلمان بأغلبية أعضائه في العام 2015، والذي يقضي بعدم إرسال قوات عسكرية باكستانية إلى السعودية، ويلزم القرار البرلماني الحكومة بالنأي بالنفس عن الصراع في اليمن، وعدم الاصطفاف إلى أي جانب في هذه الحرب.

وسعى البرلمان بهذا القرار إلى اعتماد موقف متوازن من جميع الدول المجاورة والصديقة، بما فيها السعودية وإيران واليمن، فضلا عن الخشية من اندلاع أحداث طائفية ومذهبية جديدة جراء مثل هذه المواقف السياسية.

وتساءل السيناتور فرحة الله بابر في معرض طرحه للقضية في مجلس الشيوخ “هل فكر من اتخذ هذا القرار بعواقبه الوخيمة، ولماذا يجري خرق الإجماع البرلماني بهذه الطريقة؟”، علما بأن رئيس مجلس الشيوخ رضا رباني استدعى وزير الدفاع للمثول أمام المجلس لتبرير موقف الحكومة بخرق القرار البرلماني بعدم إرسال قوات.

أسباب داخليةويرجع الخبير في العلاقات العسكرية عناية الله فاروقي اتخاذ باكستان قرار إرسال الجنود للسعودية في هذه المرحلة إلى أسباب عدة، منها تحسن العلاقة بين حزب الرابطة الإسلامية الحاكم والمؤسسة العسكرية، إذ إن الخلاف السابق بينهما هو الذي أدى لامتناع الجيش عن المشاركة في عملية “عاصفة الحزم” في العام 2015، بالنظر إلى أن الجيش هو الذي يدير العلاقات الخارجية الإستراتيجية لباكستان.

وأبدى أعضاء بمجلس الشيوخ اعتراضا في السابق على تعيين قائد الجيش الباكستاني السابق الجنرال راحيل شريف قائدا للتحالف الإسلامي الذي أعلنته السعودية. ويرى فاروقي أن هذا الاعتراض يمثل رأي شريحة عريضة من المجتمع رغم ضعفها في مجلس الشيوخ لأنها تأتي دائما من أحزاب المعارضة التي يقودها حزب الشعب.

ومن المتوقع أن يخسر حزب الشعب معظم مقاعده في انتخابات مجلس الشيوخ التي ستعقد في مطلع مارس/آذار المقبل لصالح حزب الرابطة الإسلامية الحاكم، مما يعزز حرية الحكومة في اتخاذ مثل هذا الإجراء.

ويرى المحلل السياسي زهير أشرف جمال أن هناك تلاقيا للمصالح بين باكستان التي تقف على أبواب الانتخابات العامة، وهي في أشد الحاجة للتمويل والدعم الاقتصادي، وبين السعودية التي ما زالت تعتبر باكستان ثقلا إستراتيجيا تحاول اجتذابه، ولكن لا شك أنه لا شيء دون مقابل في عالم السياسة.

فقد حصلت باكستان على بعض الميزات والضمانات لمثل هذا التعاون على شكل اتفاقيات تجارية وتعهدات استثمارية ضخمة، وحصلت على بعض الامتيازات للعمالة الباكستانية بالسعودية، بعد أن شكلت عودة هذه العمالة إلى بلادها ضربة للاحتياطي النقدي للبلاد بفعل تراجع تحويلات المغتربين من السعودية.

وكانت إسلام آباد والرياض وقعتا عددا من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي أثناء زيارة وزير التجارة السعودي ماجد القصبي لباكستان، وذلك بهدف بناء علاقة تجارية إستراتيجية بين البلدين في مسعى لدعم وتطوير علاقاتهما العسكرية.

ويرى الإعلامي الباكستاني متين حيدر في إرسال إسلام آباد جنودا إلى السعودية تحولا جديدا للعلاقات بين الطرفين، لكنه يرى أن الجيش الباكستاني قد اتخذ هذا القرار في إطار اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك بين البلدين لأسباب تحقق بعض مصالح باكستان.

ويستدرك حيدر قائلا “لكن الجيش الباكستاني لن ينجر إلى الصراعات الإقليمية التي تنخرط فيها السعودية مثل الحرب اليمنية أو أزمة حصار قطر”، إذ إن باكستان ترتبط باتفاقيات عسكرية مماثلة مع مختلف دول الخليج، بما فيها قطر.