المشهد اليمني الأول/

أعاد موقع «ذي إنترسبت» فتح ملف عودة الاغتيالات في مدينة عدن اليمنية، مسترجعاً بعض فصول رواية مقتل حارس أحد سجون المدينة الجنوبية، يدعى خلدون الغالب، في نوفمبر الفائت، كان يستعد للانتقال إلى الولايات المتحدة حيث يقطن والده السبعيني منذ العام 2008.

وزاد تقرير «ذي إنترسبت» أن قصة الشاب اليمني الثلاثيني، تختصر «القصة المعقدة» لمجريات الأزمة في اليمن، حيث «تتحول ولاءات الفصائل على الدوام»، إذ انضم خلدون الغالب في بداية الحرب إلى القوات المنضوية تحت مظلة «التحالف»، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، لمحاربة «الحوثيين»، قبل أن يتحول وأسرته إلى تأييد القوات المدعومة من الإمارات العربية المتحدة، في مساعيها الرامية إلى إعادة قيام دولة جنوب اليمن المستقلة.

وأشار تقرير «ذي إنترسبت» إلى أن عملية الاغتيال المشار إليها، والتي عاد وتبناها فرع تنظيم «داعش» في اليمن، تسلط الضوء على استفادة الجماعات المتشددة من حالة «فراغ السلطة» التي أفرزتها الأزمة في البلاد من جهة، وعلى حجم الصعوبات التي يواجهها أبناء اليمنيين، من حملة الجنسية الأمريكية، من أجل الالتحاق بذويهم داخل الولايات المتحدة من جهة أخرى. وشرح التقرير أن والد القتيل، ويدعى محمد الغالب، كان قد تقدم بطلب لجوء لابنه خلدون، وهو بدوره متزوج ولديه ولد واحد، منذ العام 2009، موضحاً أن «عملية الحصول على تأشيرات لصالح الأبناء المتزوجين لمواطنين أمريكيين يمكن أن تستغرق أكثر من عقد من الزمن».

وأكمل تقرير «ذي إنترسبت» أن محمد الغالب قد أجرى فحوصات «DNA»، وأجرى مقابلتين مع الجهات الأمريكية المعنية بالهجرة من أجل الاستحصال على حق اللجوء لنجله خلدون، فضلاً عن انتظاره زهاء ثماني سنوات لهذا الغرض، قبل أن يقوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بفرض حظر على دخول اللاجئين إلى بلاده من 11 دولة، من بينها اليمن، في يناير من العام 2017، وصولاً إلى موافقة المحكمة العليا الأمريكية على البت في قانونية أحدث قرار بحظر السفر، والذي من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ ديسمبر المقبل، على أن يشمل وقف إعطاء التأشيرات لكافة المهاجرين الوافدين من اليمن.

ومن هذا المنطلق، شدد تقرير «ذي إنترسبت» على أن قرار حظر السفر الذي اتخذته إدارة الرئيس ترامب، «ترك العديد من الأسر (اليمنية)، مثل أسرة الغالب، عالقين (داخل اليمن) بفعل الحرب التي تسببت بقتل الآلاف، وخلق أزمة إنسانية أسفرت عن تجويع الملايين». وفي هذا الإطار، قال زيد ناجي، وهو ناشط مجتمعي، ونائب رئيس جمعية التجار اليمنيين الأمريكيين في مدينة نيويورك، إن «جزءاً من السبب المتعلق بعدم السماح لنا (بالهجرة) إلى الولايات المتحدة يكمن في حقيقة أنهم (الأمريكيين) يقولون عنا بأننا على صلة بالإرهابيين، فيما نحن هنا (داخل اليمن) نقتل من جانب هؤلاء الإرهابيين». بدوره، عبّر محمد الغالب بالقول إن «اليمنيين عاشوا تحت نير الإرهاب منذ ما يقرب من عقد من الزمان»، مشدداً على أن «الإرهابيين في كل مكان» داخل اليمن، و«يهوون ترويع الناس، ويسعون خلف القتل». وأردف الغالب: «نحن لا نعرف ما الذي يريدونه».

وفي ما يخص «ازدهار» نشاط الجماعات المتطرفة على الأراضي اليمنية منذ بدء الحرب على اليمن في العام 2015، فقد أوضح التقرير أن تلك الجماعات «عمدت إلى ملء فراغ السلطة» عقب اندلاع حرب اليمن، مشيراً إلى نجاح تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب»، الذي ينشط في ذلك البلد منذ العام 2009، في «تعزيز قوته»، في حين عكف فرع تنظيم «داعش» داخل اليمن في «اغتنام الفرصة من أجل الانتقال إلى هناك، وبدء عمليات التجنيد في العام 2015» على وقع تراجعه في كل من العراق وسوريا. وأردف التقرير أن تهديد تلك التنظيمات الإرهابية، كان بمثابة «المبرر» الذي تذرعت به إدارة ترامب من أجل اتخاذ قرارها بحظر سفر اللاجئين من اليمن، محذراً من أن «هذه السياسة تركت اليمنيين من أصحاب التوجهات الليبرالية، شأنهم شأن الجهات الحكومية عرضة (لتهديد) المتطرفين».

ومع الإشارة إلى أن سياسة الولايات المتحدة في اليمن بعد أحداث سبتمبر من العام 2001، تركزت على استهداف «الإرهابيين»، عبر شن هجمات جوية وبرية، وقد أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ألف مقاتل (متشدد)، وأكثر من 100 مدني يمني، عبّر السفير الأمريكي السابق لدى اليمن غيرالد فيرشتاين، بقوله إن «انهيار الحكومة اليمنية قوّض أهداف حملة مكافحة الإرهاب»، مشدداً على أن التنظيمات المتشددة «تمكنت من توسيع وجودها داخل المناطق التي تأثرت على نحو خاص، ومباشر، حيث يعد مستوى السيطرة الحكومية ضعيفاً بصورة ملحوظة»، وذلك جراء الصراع داخل اليمن. وأردف غيرشتاين: «بسبب انهيار البرنامج اليمني القوي (الفاعل) لمكافحة الإرهاب بالتعاون معنا، ومع جهات أخرى، تمكنت (تلك التنظيمات) من استعادة الأراضي التي سبق وفقدتها».

بدورها، أكدت الباحثة في جامعة «أوكسفورد» إليزابيت كيندال، أن «هناك دلائل على أن تلك الهجمات قد تكون قد أثبتت فعالية في إضعاف تلك الجماعات»، مضيفة أن «الجماعتين (القاعدة وداعش) تتعرضان لضغوط كبيرة في الوقت الراهن» في ضوء مقتل قادة كبار من التنظيمين إبان الغارات الأمريكية، على نحو تطلب «استبدالهم بقادة أصغر سناً»، وتغيير «التكتيكات» المتبعة من قبلهما. وتابع التقرير بالإشارة إلى أن كلاً من كيندال، وفيرشتاين يرجعان أسباب إخفاق جهود مكافحة الإرهاب في اليمن إلى «الإخفاق في معالجة جذور قضية التطرف، والتي تغذيها حالة انعدام الاستقرار السياسي، والأزمة الإنسانية الراهنة».

وتابع التقرير أن الدوافع الكامنة خلف موجة الاغتيالات في عدن «لم تكن واضحة» حتى الآن. وفي هذا السياق، قالت كبيرة الباحثين في «جامعة أوكسفورد»، والمتخصصة في «رصد نشاط الجماعات المتطرفة في اليمن» كيندال إن الاغتيالات المشار إليها قد تكون إما «بدافع جرمي»، أو «بدافع الخصومة السياسية»، مشيرة إلى صعوبة الجزم بهوية منفذيها في خضم الحرب التي تشهدها الساحة اليمنية. وبحسب ما أفادت به الباحثة لـ«ذي إنترسبت»، فإن تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» قد حول هدفه «من استهداف الحوثيين، إلى (ضرب) التنظيمات المسلحة المدعومة من قبل الإمارات العربية المتحدة» بسبب ما تمثله الأخيرة من «تهديد للتنظيمات المتطرفة»، فيما «انصرف تنظيم داعش عن شن الهجمات الانتحارية ضد المدنيين، من أجل محاربة الحوثيين، باستثناء موجة تصاعد العنف في نوفمبر، التي أدت إلى مقتل خلدون الغالب».

ختاماً، وبالعودة إلى قصة محمد الغالب، ونجله، لفت التقرير إلى أن أسرة الأخير «سوف تبقى عالقة بين الحرب والإرهاب» بانتظار القرار النهائي للمحكمة العليا الأمريكية بخصوص قرار ترامب مسألة الهجرة، مع تطلع الجد إلى استقدام زوجة ابنه خلدون، وطفله.