المشهد اليمني الأول/ الوقت

منذ وصوله إلى منصب ولي العهد السعودي في يونيو 2017، تمكن الأمير محمد بن سلمان من إحداث تغييرات في السعودية عجز كل من سبقه عن الوصول إلى أعتابها، ولكن نخشى ما نخشاه أن يكون هذا التغيير سطحي ولا ينعكس إيجابا على المجتمع السعودي على المدى البعيد.

ما يدفعنا للتكهن بهذا الأمر أن ما نشهده من تغييرات داخل المجتمع السعودي لا تتعدى كونها أمور سطحية لا تقترب من الجذور الدينية والاجتماعية ولا بأي شكل، وهذا قد يحول كل الحداثة والتطوير والتحديث الذي ينادي به بن سلمان إلى فقاعة إعلامية تخدمه أمام الغرب حتى الوصول إلى كرسي الملك ولكنها لا تحدث أي تغيير فعلي على الأرض في المجتمع السعودي الذي يعاني الكثير من المشاكل الاجتماعية وخاصة فيما يتعلق بموضوع المرأة وحريتها داخل المملكة.

ونحن نرى أنه لن يحدث أي تطور داخل المجتمع السعودي لطالما المرأة هناك مقيدة بقيود اجتماعية تجعلها تحت سيطرة الرجل وفقا لنظام الوصاية الذي يمنعها من السفر خارج البلاد دون موافقة والدها أو زوجها، وموضوع السماح لها بقيادة السيارة لا يتعدى كونه “إبرة بنج” قد ينتهي مفعولها في أي لحظة لطالما أن المرأة هناك غير حرة من الداخل، ولوقت ليس بالبعيد كانت السعودية تحتل المرتبة 141 من 144 في موضوع المساواة بين الرجل والمرأة وفق المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين.

الحريات الانتقائية

لا أحد يشكك بالقوة التي أظهرها بن سلمان في إبعاد خصومه عن الواجهة السياسية واستفراده بالسلطة حتى لو اضطر الأمر لاعتقال بعض الأمراء كما فعل أو تطويع الدعاة في المملكة وإجبارهم على قول وتسويق ما يريد بن سلمان وفقا لخططه وأهدافه التي غلفها بإطار مكافحة الفساد والانتقام من المعارضين وتخدير الشعب من خلال منحه بعض الحريات الشكلية للتغطية على فساده وأطماعه في الحكم.

ولكن في الوقت نفسه نحن نشكك بهذه الحريات التي لن تسبب تطورا جذريا في المملكة ولا حتى داخل بنية المجتمع السعودي لكون المجتمع لم يتم تحضيره لهذه الإجراءات بشكل تدريجي وبالتالي قد تكون لها نتائج سلبية وعكسية على المدى البعيد لن يسلم منها حتى بن سلمان نفسه.

وخلال اليومين الماضيين فاجأت السعودية مواطنيها بقرارين، الأول ترخيص لعبة التسلية الشعبية، الثاني اعتبار عيد الحب مناسبة اجتماعية إيجابية لا ترتبط بالدين.

القرار الأول جاء مساء أمس وسط ذهول قسم كبير من السعوديين لما تحمله هذه اللعبة مخاطر على المجتمع السعودي، والغريب أن المملكة أعلنت انها ستقيم بطولة رسمية لها في البلاد يتسابق المتشاركون لحصد جوائزها التي تقدر بمليون ريال.

هذا القرار لاقى ردود فعل كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر وسم #بطولة_المملكة_للبلوت، الذي عجّ بالسخرية والانتقادات اللاذعة من قبل المشاركين لما اعتبروه “سخافة وانحطاط مستوى التفكير لدى المسؤولين حتى وصلوا لهكذا قرار هابط”.

وما دعا المغردون لاستغراب هكذا قرار أنه كيف للعبة مجالس أن تصبح بطولة وهي لا تعد أكثر من مجرد تسلية منزلية للأصدقاء، ورغم أنها تتخذ عند البعض حالة من الإدمان اليومي خصوصا العاطلين عن العمل، فإن كثيرين لا يمارسونها إلا في وقت الفراغ. وأضاف آخرون أن هذه اللعبة هي مفتاح للقمار المحرم شرعا، ودمرت الكثير من المنازل، فضلا عن الشتائم التي ترافقها والخصام الذي تتركه بين الأصدقاء، فكيف للدولة أن “تحلل طريقا من طرق الحرام.

أما القرار الثاني فقد جاء وقعه غريبا على آذان المجتمع السعودي خاصة أنه صدر عن هيئة الأمر بالمعروف، الهيئة الدينية المحافظة التي على ما يبدو تقلصت صلاحياتها داخل المملكة، والغريب ان عيد الحب أصبح مستحبا اليوم من قبل دعاة السعودية بعد ان كان محرما في الأمس، وفي هذا الاطار قال  المدير العام السابق لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة، الشيخ أحمد قاسم الغامدي، إن الاحتفال بعيد الحب “مناسبة اجتماعية إيجابية لا ترتبط بالدين”، مؤكداً أن المناسبات الإجتماعية ليست “أعياداً دينية حتى يقال إنها تتعارض مع الإسلام”.

ولم يتوقف الأمر عند هذا فحاليا تسعى المملكة لافتتاح 30 صالة عرض سينمائية، لإتاحة المجال للسعودية للتعرف على عالم الفن السابع ولكن ضمن شروط وقيود يفرضها الدين أي يجب ان تكون الأفلام المعروضة هادفة ولا تتعارض مع احكام الشرع.

في الختام؛ ما يقوم به بن سلمان لا يعدو كونه تقديم صورة سطحية عن الانفتاح الذي يحتاج في حقيقة الأمر لمئات القرارات الجوهرية التي لن تستطيع السعودية إقرارها في ظل إدارة رجال الدين للنظام التعليمي ، وفرض الأعراف الاجتماعية الصارمة داخل المملكة، وبالتالي هذا الوجه التقدمي الذي يحاول أن يصدره بن سلمان للعالم لا يعكس حقيقة ما يجري داخل بلاده، لأن الهدف منه ليس جوهري يسعى لتحقيق تغيير جذري بل يريد من كل هذا صرف انتباه المواطن العادي عن إساءة استخدام السلطة.