المشهد اليمني الأول/

على غرار عصابات المافيا التي ترتكب الجرائم ليلاً وتعمل على تغطيتها نهاراً، أوعزت الولايات المتحدة لبعض من شركائها في «مجلس التعاون الخليجي» وتحديداً السعودية وقطر والإمارات بالمشاركة في «إعادة إعمار» العراق في أعقاب هزيمة تنظيم «داعش» الإرهابي الذي دأبت هذه الدول ذاتها على رعايته وتمويله.

جاء هذا في مقال نشره موقع «غلوبال ريسيرش» أوضح أنه حتى الأقل إلماماً بالتاريخ والشؤون العسكرية، أو حتى الحرب الحديثة يعرف أن التنظيمات الإرهابية الأكثر قوة مع كل ما يتوفر لها من دعم لوجستي وتدريب وتجنيد عالمي لا يمكن أن تنبثق من الفقر أو الانهيار الاقتصادي كما حاول وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون التلميح إليه مؤخراً، ما يؤكد أن «القدرة التشغيلية» التي أظهرها «داعش» ممكنة فقط مع رعاية دولية هائلة.

وبعيداً عن قدرة «داعش» على تمويل ذاته عبر مختلف عمليات السلب والنهب، رأى المقال أن التمويل الهائل الذي تمتع به «داعش» لدرجة أنه تمكن من أن يمثل تهديداً للمنطقة وحتى للغرب جاء بشكل كبير من حلفاء الغرب حيث جمعت أموال «التنظيم» في بعض دول الخليج أو نقلت عبرها بموافقة من الأوساط الاستخباراتية والسياسية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، بينما شكل حجر الزاوية في «التحالف الأمريكي-الخليجي» ضد ليبيا وسورية وإيران والعراق ابتداء من عام 2011 وهذا ما أشارت إليه المذكرة التي سرّبت عن وكالة «الاستخبارات الدفاعية» الأمريكية في عام 2012 والتي تؤكد بقوة دور الغرب وحلفائه بالمنطقة بما يشمل تركيا في إنشاء «داعش» في محاولة لـ«إسقاط» الدولة السورية وإيجاد ذريعة لوجود القوات العسكرية الأمريكية في سورية بعد فشل وكلاء واشنطن في الوصول إلى مآربهم.

وقال المقال: وبينما أعلنت الولايات المتحدة أن «داعش» هُزم أو على وشك الهزيمة، فإن الحقيقة هي أن التنظيمات الإرهابية التي ما زالت تقاتل في سورية ولاسيما في إدلب وحولها في الشمال تضم إرهابيين ينتمون إلى «داعش» في صفوفها ولا يمكن تمييزهم عن «التنظيم» وخاصة فيما يتعلق بإيديولوجياتهم المتطرفة ومصادر تمويلهم وتسليحهم.

ولفت المقال إلى أن واشنطن اتبعت في العراق استراتيجية مشابهة لاستراتيجيتها ضد سورية بهدف لعب دور أمريكي أكبر في العراق وسط أحداث ألحقت الدمار بمناطق شاسعة في البلاد وأتاح الفرصة للولايات المتحدة لتعزيز الأكراد في الشمال في محاولة لزيادة عزلة وتقويض سلطة الحكومة المركزية في بغداد.

وذكر المقال نقلاً عن تقارير مختلفة نشرت في تشرين الأول من العام الماضي أن الولايات المتحدة مهتمة بشكل خاص بالطرق السريعة العراقية التي تربط بغداد بالأردن والسعودية، بما يوفر لها مدخلاً إلى العراق يمكن أن تستخدمه الولايات المتحدة وحلفاؤها في دول «مجلس التعاون الخليجي» لإيجاد موطئ قدم دائم لها هناك وأيضاً كممر لوجستي يمكن أن يستخدمه «التحالف» من أجل جلب موجة مستقبلية من المسلحين بهدف تقويض الأمن في إيران والعراق وسورية.

وأضاف المقال: تشير التقارير إلى أن الأموال التي ضغط تيلرسون لحشدها من بعض دول «مجلس التعاون الخليجي» ستتدفق أيضاً إلى شمال العراق، وتحت ستار «مساعدات إعادة الإعمار»، فإن الاستثمارات في الحقيقة سوف تعطي «مجلس التعاون الخليجي» نفوذاً أكبر في تلك المنطقة.

وأوضح المقال أن الحروب التي شنتها الولايات المتحدة ودول «مجلس التعاون الخليجي» بالوكالة ضد سورية والعراق واليمن كانت موجهة في جانب كبير منها إلى إيران، ولكن القضاء على زخم الحملة الغربية ضد طهران، جعل الغرب يبحث عن موطئ قدم آخر. وفي حين تدعي الولايات المتحدة أنها يجب أن «تضعف نفوذ إيران» في العراق، إلا أنها تسعى إلى فرض إرادتها الخاصة على كل من بغداد ومنطقة الشرق الأوسط برمتها. وبالنسبة لإيران، فإن العلاقات مع العراق وسورية وبقية دول الشرق الأوسط تعود إلى القرب الجغرافي والتاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تمتد عبر قرون، بينما بالنسبة للولايات المتحدة فإن دورها الذي تحاول فرضه في المنطقة ينبع فقط من رغبتها بالهيمنة الاقتصادية والجيو-سياسية في محاكاة للأسلوب الاستعماري التقليدي.