المشهد اليمني الأول/

الاستقرار المستدام نسبيا في سوريا وتنامي قوة إيران وحزب الله اقليميا، أديا لعودة محور المقاومة الى واجهة التهديدات الاستراتيجية التي تحدق بـ “اسرائيل”، اثر انحسار الازمة وترجيح كفة موازين القوى لصالح المقاومة في سوريا الامر الذي دق ناقوس الخطر لكيان الاحتلال.

فدعم اميركا و”اسرائيل” ودول عربية للارهابيين منذ عام 2011، قد فشل في اسقاط حكومة بشار الاسد لكسر ظهر المقاومة وقطع طريق تواصل ايران مع حزب الله، ما أفضى لتبني “اسرائيل” استراتيجيات أخرى لمواجهة هذه التهديدات تخلص بهذه المحاور.
 
الهجمات العشوائية على مواقع المقاومة في سوريا

يزعم الكيان الاسرائيلي اقامة ايران عدة قواعد في سوريا لاستخدامها ضده، الامر الذي تنفيه ايران، فيما تسعى تل أبيب لتسويق هذه المزاعم، لشرعنة غاراتها على الاراضي السورية. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدوره أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فبراير/شباط الجاري بأن “إسرائيل” ستواصل التصدي لوجود إيران “العسكري” في سوريا، رغم المعارضة التي أبدتها روسيا عقب الغارات الإسرائيلية التي استهدفت نحو عشرين موقعا عسكريا في ريفي دمشق وحمص. وبالرغم من أن الغارات الجوية اولى المقاربات وأقلها كلفة لتعزيز العامل الامني لـ “اسرائيل”، لم يخف المسؤولون الاسرائيليون قلقهم من تنامي الانجازات الاستراتيجية لايران في المنطقة وصمود الحكومة السورية ومن تواجد المقاومة بالقرب من حدود الكيان، وبما أن فصول الازمة السورية شارفت على الانتهاء، فيرى قادة “اسرائيل” ضرورة التهيؤ لمرحلة  ما بعد الحرب على سوريا.

التحالف مع دول عربية

التقارب الاسرائيلي مع دول عربية اقليمية من افرازات الحرب على سوريا، حيث وجدها الجانبان ضرورة لمواجهة ايران، بهدف الحد من نفوذها، ما دفع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال “غادي إيزنكوت” إلى تشكيل تحالف دولي في مواجهة لإيران، معلنا استعداد “اسرائيل” التعاون الاستخباراتي مع الدول العربية “المعتدلة” بما فيها السعودية التي رفض وزير الخارجية السعودي عادل الجبير نفي أو تأكيد وجود تعاون بين بلاده و”إسرائيل” ضد حزب الله في لبنان، فيما لم ينف الجبير إن الرياض لديها “خارطة طريق” لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع تل أبيب في حال كان هناك اتفاق سلام مع الفلسطينيين. فوجد التقارب الاسرائيلي العربي ضالته بعد وصول ترامب لسدة الرئاسة الاميركية إذ يوحد هذه الاطراف حتمية التصدى لمحور المقاومة وعلى رأسه ايران.

ايجاد شرخ بين ايران وروسيا

يعلم الاسرائيليون أن التعاون الايراني الروسي في سوريا يعزز قوة محور المقاومة، لذلك يحاول نتنياهو عبر الزيارات المتكررة لروسيا والاتصالات مع الرئيس بوتين والضغط على وتر أن إيران تبذل «جهودا كبيرة لتثبيت وجودها في سوريا وأن هذا الأمر يشكل تهديداً لإسرائيل ولمنطقة الشرق الأوسط، وأعتقد للعالم بأسره»، لوضع روسيا بموقف ضرورة مواجهة هذا الواقع الاستراتيجي والاعتراف بحق “اسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

محاولة زعزعة استقرار إيران من الداخل

يأس دول غربية و”اسرائيل” من فكرة اسقاط النظام الاسلامي في ايران، دفعهم الى تبني استراتيجية جديدة وهي اشغال ايران بشؤونها الداخلية للحد من تعاطي طهران مع تطورات المنطقة. فسارعت واشنطن وتل أبيب الى دعم اعمال الشغب التي شهدتها مدن ايرانية مؤخرا، وهذا ما جعل الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي “سيما شاين” تذهب إلى الاعتقاد بأن تل أبيب دخلت مرحلة من المواجهة المباشرة مع إيران في سوريا، ولكن -وفق ما ذكرته هذه المسؤولة السابقة في الموساد- فإن “توقيت الأحداث لا يلعب في صالح طهران بسبب الحركات الاحتجاجية المحلية”، حيث ترى أن فرصة التصادم الايراني الاسرائيلي على الحدود اللبنانية ستتضاءل مع انغماس ايران في الشؤون الداخلية.
 

استخلاص العبر من اسقاط الطائرة الاسرائيلية في سوريا

العالم تعوّد البيانات الاسرائيلية التي تعقب كل اعتداء على أي دولة عربية، والخسائر التي ألحقها الطيران الاسرائيلي الحربي بالمناطق المقصوفة، ان كان بالارواح او بالعتاد والسلاح والابنية، وكانت الطائرات العدوّة تعود الى قواعدها سالمة بعكس هذه المرة التي دمّرت فيها طائرة واعطيت اخرى السبت الماضي، وأصيب طياران بجروح، احدهما في حالة حرجة، ما يعني بالنسبة لـ”اسرائيل” ان هناك تغييرا استراتيجيا حصل في سوريا قد يكون عائدا لسلاح متطوّر ايراني او روسي، لمجابهة الغارات الاسرائيلية، ووجود تعميم على استعماله بمباركة روسية وايرانية، وهذا الواقع الجديد بحدّ ذاته يستدعي مراجعة اسرائيلية لاستراتيجيتها العسكرية المرسومة ضد سوريا وربما ضد لبنان، لمعرفة ما اذا كانت ايران قد زوّدت حزب الله بمثل هذه الصواريخ القادرة على اسقاط الطائرات الاميركية المتطورة التي تستعملها “اسرائيل” في شكل خاص، وهذه المراجعة قد يتم وضعها قيد التجربة في اعتداء اخر لجسّ النبض.

القناة العاشرة الاسرائيلية كشفت ان الجيش الاسرائيلي، يعزّز دفاعاته الجوية في مناطق عديدة وفي شكل خاص شمال الكيان، لحماية المستوطنات والمراكز المتاخمة للحدود مع لبنان، وهذا الاجراء على ما يبدو هو درس من الدروس التي استخلصتها “اسرائيل” بعد اسقاط طائرتها من طراز اف 16 وكثافة الصواريخ التي أطلقت من الجانب السوري، والتي قدرها الجانب الاسرائيلي بـ 25 صاروخاً، اطلقت دفعة واحدة، ما يعني ان الكيان يتهيأ لعدوان جديد اوسع، يطول سوريا ولبنان.

العقيدة العسكرية الاسرائيلية

تعتمد العقيدة العسكرية للدويلة الاسرائيلية من اجل البقاء، على القدرة النووية واحتواء التهديدات عبر الضربات العسكرية والاستخباراتية لاحباط  تضخم مصادر القلق والتهديدات. لذلك دأبت على مهاجمة سوريا في السنوات الماضية لمنع تحول الدعم اللوجستي الايراني لحزب الله، الى وجود عسكري رائد، فاسرائيل عمليا تحاط بتهديدات متعددة، فصائل المقاومة في غزة والانتفاضة والحراك الفلسطيني الفصائلي والفردي في الضفة الغربية وحزب الله في لبنان. لذا باتت تستفيد من المحيط المعادي السابق كـ مصر والاردن والسعودية، حيث أن الحلفاء الجدد غير الرسميين سيساعدون “اسرائيل” في حظر حزب الله وتقديم المساعدات للجهات المناوئة لمصالح ايران في سوريا والضغط على حركة حماس وحتى في حال الاشتباك المباشر بين ايران و”اسرائيل”.

هاجس “اسرائيل” من مواجهة محور المقاومة

رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو أجرى 7 زيارة رسمية لروسيا في السنوات الاخيرة، وكان يطالب موسكو دائما بابعاد قوات المقاومة من الحدود مع الكيان، وفي هذا السياق كشفت مصادرسياسية من تل أبيب سبتمبر/أيلول الماضي أن روسيا رفضت طلب “إسرائيل” أن تبعد قوات المقاومة لمسافة 50 – 70 كيلومترا من خط فك الاشتباك في الجولان، وأنها أبلغتها بأنها ستمنعها من الاقتراب على مسافة 5 كيلومترات فقط من هذه الحدود.

شخصيات إسرائيلية رفيعة على رأسها نتنياهو، أبدوا قلقهم في الأشهر الأخيرة بشكل علني من إمكانية اقتراب الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والقوات الاخرى من الحدود. وفي الأشهر الأخيرة لم تتم مشاهدة وجود كهذا، لكن الاستخبارات الإسرائيلية تزعم بأن الإيرانيين سيحاولون التسلل إلى منطقة الحدود، وأنه على المدى البعيد ينوون تثبيت وجود عسكري واستخباراتي يمكنهم من استخدام الهضبة كجبهة ثانوية ضد “إسرائيل” في حالة اندلاع حرب جديدة بين الكيان وحزب الله.

بالمجمل فأن اسقاط المقاتلة الاسرائيلية قد ارعب الكيان الصهيوني ما دفع قادته العسكريون بتوصية عدم التصعيد مع سوريا، على ضوء مستوى الجاهزية التي بلغتها القوات السورية الامر الذي ينذر بهزيمة “اسرائيل” في اي مواجهة محتملة.