المشهد اليمني الأول/

ثمة مقامات أجدني أمامها عاجزة عن الولوج إليها والدخول إلى محاريبها والتعبير عن أصحابها، فعظمتهم أبلغ من أن تستوعبها الكلمات وأكبر من أن تصفها خيالات كاتب مهما تفنن في صياغتها وتنميقها.

هي المرة الأولى وفي الذكرى السنوية التي قررت أن اطلق لخيالي العنان للتحليق في رحاب الكلمات ومفردات اللغة حتى تشجعت يدي المرتعشة لتكتب عنها وعن أصحابها العظماء، هي الشهادة وهم الشهداء وحدهم من تخذلني عند الحديث عنهم الكلمات وأراها تتوارى خجلاً وخشية ألا تليق بهم وتكون قليلة أمام سموق هاماتهم الكبيرة وبطولاتهم العظيمة!

قد يرحل الكثير ممن نحبهم فنبكيهم ونرثيهم ونستوفيهم حقهم ،إلا الشهداء فهم من يخلفون ورائهم إرثاً عظيماً وأثراً محفوراً في أعماق الارض ومعانقاً للسماء .. من الصعب أن يمحى من قلوب الجميع وتبقى سيرتهم حية و طريقهم الذي سلكوه موضع إقتداء وقدوة لمن بعدهم يسيرون على نهجهم ويواصلون ماأبتدأوه حتى تحقيق النصر.

هم أدركوا مبكراً معنى أن تسلب هويتهم الإيمانية وتستعمر حريتهم وتنتهك أرضهم فأشتعلت أرواحهم غيرة ونخوة و باعوا لله أنفسهم ومتاع الدنيا بأكملها في تجارة رابحة مع ربهم حين خاطبهم (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ).
وهل هناك تجارة رابحة أفضل من التجارة مع الله؟؟
في زمن تكالبت فيه قوى الشر على وطنهم وأرادت أن تجعله مجرد تابع لأهوائها الشيطانية وتسلب من شعبهم حريتهم وتخلع عنهم ثوب العزة والكرامة وتستبدله بثوب المهانة والذل والتسول أمام ابواب الطغاة والمتجبرين !!
فعاهدوا ربهم وتربة وطنهم وشعبهم بأن لا تطأ أرضهم قدم غاصب ومحتل ظالم فصدقوا ما عاهدوا الله عليه وأرضهم.

هانت عليهم حياتهم وأرخصوها في سبيل دينهم ووطنهم النازف عزة وكرامة وأبوا إلا أن تكون دماؤهم ثمناً لحرية شعبهم وأرضهم،
فكانوا كالأسود في ميادين العزة والكرامة يذودون عن بلادهم بلاء كل اولئك الرخاص من باعوا انفسهم لأمريكا وعبدوها للصهيونية واستسلموا للغاصب المستبد الذي تبنى حرب إبادة جماعية بحق اليمن وشعبه.

ففوجئوا بصناديد لايبالون بالموت ولايُغريهم كل متاع الدنيا ،فقلوبهم تؤمن بأن الشهادة هي بداية الحياة الابدية التي لا تنتهي؛ عند ربهم يرزقون ،وعليها يتسابقون في مضمار الجهاد وكانت الشهادة بدورها ترقبُهم لتختار لها منهم الخيرة الافضل والأكثر عشقاً لها !!
فليس هناك أحداً منهم إلا وسيرته نقية عطرة يرويها بفخر كل من عرفهم وعاشرهم مما يجعل رحيلهم مؤلم وموجع للنفوس ولكن فقدانهم ليس خسارة بل مكسبٌ خالد في صفحات التاريخ للأمة وذخيرة حية تتزود بها الاجيال لإكمال مسيرة النضال.

هم ارتقوا بإيمانهم إلى درجة الكمال والحب لربهم حد العشق والتقرب بحياتهم للوصول إلى رضاه يقاتلون في سبيله فيقتلون ويقتلون فاستبشروا ببيعهم الذي بايعوه ربهم وفازوا الفوز العظيم.

((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)).
فلهم منا السلام ومن ربنا كل الصلوات الزكية والرضوان
#الذكرى_السنوية_للشهيد
ــــــــــــــــــــ
دينا الرميمة