المشهد اليمني الأول/

لقد أدى التهور عند صقور أمريكا وعدم التفكير الدقيق في العواقب مشفوعاً باستشعار العلو والعظمة والعصبية والغضب، إلى اتخاذ قرار تصفية القائد العسكري الأول لمحور المقاومة الحاج قاسم سليماني مع قادة آخرين في المحور أبرزهم قائد هذا المحور في العراق الحاج أبو مهدي المهندس.

هذا العمل الجبان والغادر الذي إنتهك سيادة العراق وأطاح بالأعراف الدبلوماسية المعمول بها بين الدول، باعتبار أن الشهيدين الكبيرين إعتادا على ممارسة أنشطتهما علناً لأنها أنشطة رسمية تنضوي تحت مظلة العلاقات بين الدول، شكّل نقطة تحوّل في الصراع الإقليمي الدائر في منطقة غرب آسيا بين محور المقاومة وأمريكا وستكون له تداعيات استراتيجية كبرى عميقة وطويلة الأمد.

وقد جاء هذا التحوّل بعد المنحى التصاعدي السريع للصراع الإقليمي في الأسابيع الماضية، منذ المناورات المشتركة الإيرانية الروسية الصينية على أبواب مضيق هرمز الاستراتيجي في الخليج، مروراً بالضربة الأمريكية على مراكز الحشد الشعبي التي أدت إلى ارتقاء عشرات الشهداء، والتي أقرّ الأمريكي بتنفيذها رداً على التدخل الإيراني في المنطقة، فإلى المسيرات الشعبية العراقية الحاشدة التي تلت تلك الضربة واقتحمت بوابات السفارة الأمريكية في بغداد مطالبة بخروج الأمريكي من العراق، مما أفقد الأمريكي صوابه وأصابه في كبريائه.

وفي سياق التبرير للجريمة أعلنت أمريكا أنها جاءت رداً على أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

وفي قراءة تحليلية للسيناريوهات التي ستتشكل بعدها فإنه من المتوقع:

١- أن يحوِّل محور المقاومة هذا التهديد إلى فرصة لا يكتفي معها بإخراج الأمريكي من العراق، الذي أصبح من جرّائها هدفاً واقعياً سهل التحقق، بعد عملية كيّ الوعي الذي أحدثته تلك الجريمة لدى قادة فصائل المقاومة والحشد الشعبي في العراق، والتي ألزمتهم بجمع كلمتهم ونظم أمرهم ورصّ صفوفهم وتوحيد جهودهم وتركيز سلوكهم نحو هدف أساسي محدد بدقة وهو إخراج الأمريكي من العراق بمزيج من الحرب الناعمة والصلبة، مستعيدين زمام المبادرة في إطلاق المقاومة الشعبية ضد هذا الوجود في العراق، في حال لم تفلح الحرب الناعمة والقرارات البرلمانية في إنهاء اتفاقيات تثبيت وجوده، وبالتأكيد لا قوة للأمريكي لتحمّل أعباء الخسائر البشرية والمعنوية والمادية التي ستلحق به بسبب المقاومة العسكرية العراقية التي ستنطلق ضده، وتجربة العراق الحديثة العهد في مقاومته ما زالت حاضرة وحيّة.

٢- سيردّ الأمريكي بكل تأكيد على ردّ محور المقاومة، وستُقصف بالتالي بدقة وعنف لا مثيل له، قواعده التي ستنطلق منها أدوات ردّه مما سيزعزع وجوده في تلك الدول ويُوهن قوته ويضرب صورته ويُضعف هيبته ويُسقط من يراهن من صقور إدارته على الفوز في انتخابات الرئاسة الأمريكية ويمهّد الطريق في المدى المتوسط لإخراجه من المنطقة، وفي حال تمادى بالرد وأخطأ مرة أخرى في حساب عواقبه فإن الأمر قد يتطور إلى حرب برية محدودة يخسر فيها وفي المدى القصير دوله النفطية، التي استعبد حكامها ونهب وما زال ثرواتها، ومعها كيانه الصهيوني الغاصب، ويخرج تحت وطأتها من منطقة غرب آسيا مذموماً مدحوراً.

٣- إن النظر العميق فيما إقترفته أيادي أمريكا الآثمة من خلال هذه الجريمة يفيد أن الأمريكي أراد من خلالها قطع أيادي محور المقاومة الاستراتيجية من ضمن سياسة متّبعة لتطويق تمدّده وفي حال لم تتم مواجهة هذا العدوان الأمريكي العاتي فسيطال كل قادة محور المقاومة ومن بينهم رؤساء دول المحور ولن يكون أمامه أي عائق عن تحقيق ذلك فواجب ردعه بضربة تزلزله وتعمل على كيّ وعيه أمر وجودي بالنسبة لمحور المقاومة وبالتأكيد لن يفي بالغرض قتل عدة مسؤولين عسكريين أو أمنيين أمريكيين، مهما علت رتبهم، أو ضرب عدة قواعد عسكرية أمريكية منتشرة في دول المنطقة، فهذا أمر بسيط أمام جسامة هذا التهديد الوجودي، الذي سيُحوّله بكل تأكيد محور المقاومة إلى فرصة كبرى ورادع قوي لكل عدو من أن ينال منه بمثل تلك الجرائم.

______________
علي حكمت شعيب
أستاذ جامعي