المشهد اليمني الأول/

“هناك جبهة شرقية، وهي قائمة، ويجب أن تكون مؤثرة”.. إحدى الكلمات القليلة التي يحفظها التاريخ للشهيد عبد المنعم رياض، رئيس أركان الجيش العربي المصري، وأعظم شهدائه عبر العصور، من تجدد مصر سيرته سنويًا مع استشهاده، يوم 9 مارس 1969، باعتباره أرفع رتبة عسكرية سقطت على الجبهة، إبان حرب الاستنزاف، فارتفع إلى الأبد لمصاف الخلود والمجد.

الشهيد الذي كان يتمتع برؤية عسكرية وإستراتيجية ثاقبة، كان يحلم بفتح جبهتين عربيتين على الكيان الصهيوني، معتبرًا أن عمقه الضيق لن يسمح له بالمناورة، وبالتالي فإن هدف الحرب سيكون إقناع من يدعم المشروع بفشله وسقوطه، وتركه وحيدًا عاريًا من الدعم الأميركي، أمام محيط عربي يفور بالكراهية وراغب بشدة في محوه عن أرضنا المحتلة.

اليوم، وبعد نصف قرن بالتمام والكمال، وربما هي أسعد صدفة عربية في القرن الحادي والعشرين، يقف السيد عبد الملك الحوثي، فاتحًا جبهة جديدة، جنوبية، هائلة الاتساع وفائقة القدرة على الفعل، كالجحيم على رأس كيان العدو الصهيوني، بكلمات بليغة تستحق مكانُا في تاريخ هذه البقعة من العالم.

اليمن العزيز الصامد لم يتحول فقط إلى فعل في وجه السعودية، وامتلك قدرة الانتصار، بل عرف منذ اللحظة الأولى عدوه، وكان يتصرف من هذه القناعة، العدو هو واشنطون، وكل الأنظمة التابعة العميلة هي مجرد أدوات قذرة، ولم يكن غريبًا أن يجمع السيد “الحوثي” بين قصف قدس أقداس السعودية، خطوط الضخ والإنتاج، بل وأن يهدد بعمل مواز يطال أهدافًا صهيونية حساسة.

السبت الماضي، وبمناسبة دينية مهمة فارقة، خرج حديث السيد “الحوثي” قاطعًا في دلالاته، مصوبًا بدقة على أعظم كوابيس الصهاينة، حين قال: “تكررت تصريحات مجرمي الحرب الصهاينة، وعلى رأسهم المجرم الصهيوني اليهودي نتنياهو، التي تتحدث عن اليمن كتهديدٍ لإسرائيل، وتسعى لربط ذلك بإيران، كما هي العادة الصهيونية”، مؤكدًا أنه “إذا تورَّط العدو الصهيوني في أيِّ حماقةٍ ضد شعبنا؛ فإنَّ شعبنا لن يتردد في إعلان الجهاد في سبيل الله ضد هذا العدو، كما لن نتردد في توجيه أقسى الضربات الممكنة لاستهداف الأهداف الحسَّاسة جدًا على كيان العدو”.

يؤمن الكيان أن الكلمات اليمنية ستترجم فورًا إلى أفعال، وقتما يريد اليمن، ويتوفر الظرف المناسب، للرد على المشاركة الصهيونية في الحرب العدوانية على اليمن، إذ تعد طرفًا فاعلًا في الغارات الجوية الإجرامية التي تستهدف أطفال اليمن وشيوخه ونسائه، بعد عجز العدوان عن الثبات أمام رجال اليمن في ساحات الوغى، هذا ليس تحليلًا، قد يصيب أو يخطئ، بل هو رد الإعلام الصهيوني، المتحسب بشدة من الوعد اليمني، فصحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية علقت على تحذيرات السيد بقولها: “هدد عبد الملك الحوثي، الزعيم الحوثي المدعوم من إيران في اليمن، بأن رجاله لن يترددوا في إعلان الجهاد ضد العدو الإسرائيلي ويؤذونه بشدة إذا قاموا بعمل أحمق ضد شعبنا”.

الرعب الصهيوني أيضًا تجلى في تقرير برلمان الأمن الإسرائيلي، الذي حذر من جدية وخطورة التهديدات، مطالبًا باتخاذ الخطوات اللازمة لتأمين الملاحة الصهيونية التي تبحر في منطقة باب المندب.

والمضيق الحيوي للاقتصاد الصهيوني لم يجر إغلاقه أمام سفنها التجارية إلا مرة واحدة، خلال حرب أكتوبر/تشرين التحريرية عام 1973، وشدد الكيان على ضرورة تضمين معاهدة العار المصرية الصهيونية –كامب دافيد- على بند يجرّم إغلاق باب المندب في وجه سفنها، بضمانات عسكرية أميركية.

الضربة اليمنية، التي لم تحتاج لأكثر من تصريح، من المؤكد أنها موجعة للكيان الصهيوني، ومؤثرة على اقتصاده الهش الضعيف، حتى قبل أن تنطلق معركة فعلية، فالمضيق أحد شرايين إمداد الصهاينة بمقومات الاستمرار الغاصب على أرض فلسطين، وبدونه ستتضاعف كلفة الاستيراد والتصدير، وهنا اللجوء للأرقام وحدها كفيل بشرح أزمة الكيان، مع تدشين جبهة جديدة، وغير متوقعة.

15 مليار دولار هي إجمالي التجارة الصهيونية المارة بباب المندب، وكل تجارة الكيان مع آسيا وأوقيانوسيا وشرق إفريقيا، لا بد لها من عبور المضيق لتصل إلى ميناء إيلات، وتشمل 12 مليارًا للواردات، و3 مليارات للصادرات، وأهم الأسواق التي يعتمد عليها الكيان هي الصين، وبالإجمال يمر من باب المندب 20% من الواردات للكيان، وهي تمثل ضمانة استمرار لا غنى عنها.

والبديل في حال إغلاق المضيق أو إثارة القلاقل فيه فقط، فإن التأمين على الشحنات الصهيونية سيرتفع بشدة، أو ربما تلجأ للدوران حول إفريقيا بالكامل للوصول لشواطئ فلسطين المحتلة على البحر المتوسط، ما يتركها في حال من الترقب والخسارة المؤكدة.

(أحمد فؤاد – صحافي مصري)