المشهد اليمني الأول/

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف كان إلى ما قبل سنوات قليلة ، أحيائه مناسبة عابرة ، لا تكاد تخرج عن نطاق المساجد حيث لم يتم اعطائها حقها من الاهتمام التي تتناسب مع عظمتها، او يعيدها الى ما كانت عليه قبل عقود مضت لا سيما بعد دخول عدد من المذاهب التي كانت ولا زالت تعتبر من هذه المناسبة كبدعه.

وكان إحياء المولد النبوي في أذهان الكثير من اليمنيين مرتبطاً بالطقوس الصوفية التي كانت منتشرة على نطاق واسع، حيث كانت تحيي المناسبة سنوياً بطقوس ومظاهر احتفاء مختلفة يغلب عليها الطابع الديني التصوفي ، لكن مع انتشار الوهابية ودعمها من قبل السعودية تراجع الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة مع تراجع وانحسار الصوفية.

المولد النبوي والموالد الصوفية

عرفت أغلب الأرياف اليمنية طقوس وعادات إحياء المولد النبوي لدى الصوفية، حيث كانت إلى فترة قريبة تحيى فنياً عبر ما يسمى “الموالد”، وهي عبارة عن تجمعات في مجالس القات في بعض المناطق يحييها مؤدون أو منشدون من رموز الصوفية في منطقة ما، بترديد أبيات وموشحات مأثورة تتضمن مدائح للنبي وتتطرق لمناقبه وصفاته وتؤدى بألحان إبداعية، على وقع الدف المستخدم والذي يُسمى في بعض المناطق بـ”الطار”.

ويعتبر الإنشاد الصوفي في الموالد، أحد أسباب بروز أصوات فنية، وتتضمن فعالية إحياء المولد طقوساً، إذ يتحدث ما يسمى “الفقي”، أو الشيخ الصوفي الذي يحيي المناسبة عن تفاصيل في سيرة النبي محمد، ويكرر الحضور بعده بين عبارات وأخرى “اللهم صلي وسلم على محمد وآله .

الوهابية .. ومعارضة احياء المولد

منذ دخول الوهابية إلى اليمن وبدعم من السعودية ، كان اهم اهدافها افراغ الدين من محتواه ، ومنذ انتشار ما يسمى ” السلفية ” بدأت بمحاربة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، وبدأت بمحاربة الصوفية ،واعتبرت الاحتفال بهذا اليوم العظيم ” بدعة ” وعملت على ترهيب وتكفير كل من يحيي هذا اليوم ، ومع تراجع الصوفية ، وانتشار السلفية تراجع الاحتفال بهذا اليوم .

ورغم ان هذه المناسبة في الماضي وتحديدا قبل ولوج المذهب الوهابي الى اليمن، كان للاحتفال بهذه المناسبة في اليمن طابع خاص قلما نجده في اغلب الدول، ومن عام الى اخر تلاشى الاهتمام بهذه المناسبة حتى اضحت مقتصرة في أذهان الكثير من اليمنيين بالمساجد او بالطقوس الصوفية .

وفي السنوات الاخيرة كانت تأتي مناسبة المولد النبوي الشريف كمناسبة عابرة وعادية ، لا ترك اثر في نفوس المسلمين وهذا يعود لما قامت به السلفية الوهابية من تكفير وارهاب كل من يحتفل به .

و عارضت التيارات السلفية فكرة إحياء المولد النبوي، سواء من حيث المبدأ كمناسبة اعتبرتها “بدعة” لم تكن وليدة اللحظة أو اليوم لكنها بدأت في عصر الدولة الفاطمية، أو لأسباب مرتبطة ببعض العبارات والطقوس الخاصة بـ”الصوفية” لإحياء المولد، منها عبارات تصفها بـ”شركيات” أو “قبوريات”، لكنهم مازالوا يعارضون الاحتفال بهذا اليوم حتى وقد تراجعت الطقوس الصوفية وهذا ما يثبت كذبهم حيال الطقوس الصوفية ليظهر نوياهم الحقيقة بأنهم لا يريدوا للأمة ان تنهض وتتذكر مشروع نبيها ورسولها العظيم .

المشروع القرآني احياء لروح الامة والإسلام

منذ بداية انطلاق المشروع القرآني الذي بدأه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي ، كان عمق ذلك المشروع إعادة احياء روح الاسلام والأمة التي عملت التيارات المدعومة من اعداء الامة خلخلتها باسم الاسلام ، ومن تلك القيم التي حالت تلك التيارات طمسها من وعي الأمة وانتزاعها من تاريخ الاسلام ” مناسبة المولد النبوي ” .. لهذا هدف المشروع القرآني إلى إعادة الاعتبار لهذه المناسبة العظيمة التي تذكرنها بنبينا وتذكرنا بأننا امة تفخر وتتمسك بنبيها ، لهذا عاد لهذه المناسبة قيمتها العظيمة من خلال الاحتفال بها بالشكل الذي يليق بها و عاد الأمر بوتيرة مختلفة وكبيرة من خلال فعاليات وتجمعات و احتفاء اكتسح فيها اللون الاخضر على المدن والاحياء اليمنية ، التي تثبت مدى ارتباط اليمنيين بنبيهم ، وتمنح هذه المناسبة عظمتها وقدرها في قلوب اليمنيين بولود الطاهر محمد صلوات الله عليه وعلى اله، وكأنها مناسبة خاصة ومتجددة كل عام.

ومنذ الخمس السنوات الاخيرة يحتفل اليمنيون بهذه المناسبة الطاهرة والعظيمة أيما احتفال ومن المظاهر التي تنتشر قبيل هذه المناسبة حيث تنتشر اللوحات واللافتات الإعلانية الموشحة باللون الأخضر في شوارع مختلفة من اهم المدن اليمنية، وعليها عبارات تمتدح النبي محمد، وتذكر الناس بالكثير من مناقبه ، ولكي يكون لهذه المناسبة العظيمة وقع كبير في حياة اليمنيين و التي تصادف الـ 12 من ربيع الأول (هجري)، تحول كبير اصبحت كعطلة رسمية.

كما اصبح اليمنيين يحتفلون بها بشكل كبير من خلال الخروج بالملايين الى الميادين المخصصة وذلك من خلال فعاليات شعبية كبيرة إحياءً لذكرى المولد النبوي الشريف في عدة محافظات.

وتم الاحتفاء ايضا بهذا اليوم في المساجد والمنازل ففي تريم فيتجمع الناس إلى مسجد المحضار ويستمعون للسيرة النبوية طيلة الثلاث الايام التي تسبق يوم المولد ويشهد الجامع الكبير بصنعاء، احتفالا كبيرا حيث يقوم خطيب الجامع بالصلاة على الرسول وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ويحكي سيرة الرسول مولده ونشأته وحياته وأخلاقه وصفاته ويتم خلال الاحتفال رش ماء الورد على الحاضرين وهم يرددون الصلوات ويتم تبخير الجامع بالعودة ويظل الاحتفال من ساعتين إلى ثلاث ساعات ، وفي صنعاء وصعدة والحديدة والكثير من المحافظات اليمنية ترفع الأعلام الخضراء وتزيين الشوارع كما تزين السيارات باللون الاخضر وعبارات الصلاة على طه وعلى آله وأصحابه ،ويعتبر الاحتفال بالمولد النبوي في اليمن بمثابة تعبير عن ما يفيض به شعور ووجدان اليمانيين من تعظيم وحب لشخص رسولنا الأعظم وتقديس لكرامته واتباعاً لنهجه، وكان المبتهجون بمولد أعظم قائد في التاريخ، يرددون أناشيد وموشحات كثيرة في المساجد والطرقات والمنازل.

اعداء الأمة لم يتوقفوا عن محاربة الأمة والاسلام ، لكنهم استمروا ، فهم يدركون ماذا يعني ان تعود الأمة الاسلامية لنبيها واسلامها الحقيقي ،لذلك فأعداء الأمة يتابعون بقلق بالغ فعاليات الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم يعتبرونه مشروعاً إحيائياً للأمة ولا ننسى ما قاله أول رئيس وزراء لإسرائيل بن عوريون “إننا نخشى أن يظهر في العالم العربي محمد جديد” وقد شاهدنا كم أوعزوا وحاولوا وبذلوا من جهود قبل سنوات عندما أقيم في شارع الرسول الأكرم المعروف بشارع المائة للحيلولة دون إقامته وكم مارسوا من ضغوط وتهديدات في السنوات وصلت إلى أن تقوم طائرة أمريكية بدون طيار قبل الفعالية بليلة بقصف سيارة على مقربة من ساحة الاحتفال في مديرية خولان بدعوى أنها تقل إرهابيين حتى يخاف الناس من الحضور إلى المناسبة إضافة إلى ذلك فإن ذكرى المولد النبوي تمر مرور الكرام كحدث عابر دون أن يكون لها صدى في كثير من الدول العربية والإسلامية فلا تعتبر الكثير من هذه الدول يوم هذه المناسبة إجازة رسمية فضلاً عن أن تتبنى أو تسمح بإقامة فعالية كبيرة بهذه المناسبة كخطوة في طريق صحوة الأمة على الرغم أنها جعلت يوم السبت إجازة رسمية أسبوعية ،مع هذا استمر اليمنيون بإحياء هذه المناسبة الطاهرة ، وتمسكوا بها رغم كل التحديات والأخطار.

الاحتفال بالمولد النبوي الابعاد والدلالات

ولا يحتفل اليمانيين بميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه واله وسلم لمجرد الاحتفال فقط، بل كان احتفالهم منبعاً ومعيناً لاتباع سيرته ونهجه وال بيته ، واستلهام منهجه القويم وما تحلى به طيلة حياته من سجايا عظيمة وأخلاق عالية، في كافة سلوكياته على مدار العام وليس في أيام ومواعيد وأماكن محددة ، ولهذه المناسبة دلالتها وأبعدها ومنها يدل الاحتفال على المحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى التقوى كما قال سبحانه “ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب” فالاحتفال بهذه المناسبة دليل على لين القلب ورقة الفؤاد وخشوع الإنسان وعلى الشوق لرسول الله والاتصال بذكراه والتعلق به صلى الله عليه وآله وسلم، بينما يعكس عدم التفاعل معها الجفاف والخواء الروحي والغلظة والقسوة ومن عرف الفريقين عرف مصداق ما ذكرناه.

ويدل الاحتفال الكبير بالمولد على صحوة إسلامية ففي الوقت الذي تجتمع مئات الآلاف حول ملاعب الكرة أو من أجل زعيم سياسي أو في الوقت الذي نرى فيه المجتمع قد تأثر بالغزو الثقافي في ملبسه وشكله وثقافته فإننا عندما نجتمع بمئات الآلاف من أجل رسول الله وتعظيماً له فإن هذه اللوحة الكبيرة تعكس صحوة إسلامية مبشرة وهذا ما حصل بالفعل، فلقد كان معظم الشباب مغرمين بثقافة الموضة والأفلام والحلاقة الأجنبية فلما أقيمت هذه المناسبات بهذا الشكل حصل تغير ملموس وصحوة كبيرة خصوصاً في أوساط الشباب فإذا هم يحبون الله ورسوله بل كانوا أول من ضحى من اجل الإسلام.

و المولد النبوي الكريم يظهرنا إمام العالم بأننا امة ذات حضارة لها جذور ولها سمات وخصوصيات لا يمكن أن تذوب في بوتقة العولمة والتغريب أو أن تتماهى مع مشاريع الغزو الثقافي بينما عندما نحتفل مع شعوب العالم بعيد المعلم وعيد الأم وعيد العمال وعيد الشجرة وغيرها ولا نحتفل بهذه المناسبة الخاصة بنا فإن مؤشر على فقدان الارتباط بالأصل الأول ودليل على نجاح مشاريع التغريب في أوساط الأمة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يدل على أن مشروع الوحدة أقوى من مشاريع التمزيق والتفتيت.

المولد النبوي .. خمس سنوات من العدوان

تأتي هذه المناسبة العظيمة في هذا العام ، واليمنيون أصبحوا أكثر قوة وأصبحوا قاب قوسين من تحقيق النصر ، وهذا يعود لتمسكهم بالمشروع القرآني وتمسكهم بالنبي محمد ، لهذا سيكون الاحتفال بهذه المناسبة هذا العالم أكثر زخما من الأعوام السابقة ، فالاستعدادات حتى الان كبيرة جدا ، فالفعاليات قد بدأت في مختلف المؤسسات والأماكن العامة ترحيب بهذه المناسبة.