المشهد اليمني الأول/

بعد عملية ” أرامكوا ” التي هزت السعودية ومن خلفها ، وأصبحت حديث العالم أجمع ، ، كيف لا ؟ فقد جاءت بعد خمس سنوات من الحرب السعودية على اليمن واستخدمت فيها جميع الاسلحة واستعانت بكل جيوش الارض ، الأمر الذي جعل النظام السعودي والسلاح الإمريكي محل سخرية للكثير ، خرج رئيس مهدي المشاط بمبادرة سلام هدفها الحفاظ على ما تبقى من ماء السعودية المراق أمام شعبها والمجتمع الدولي ، هذه المبادرة التي مر عليها ثلاثة اسابيع مازالت تراوح مكانها عدا من تسريبات صحفية وترحيب ضئيل من الامم المتحدة.

مثلت علمية الردع الثانية التي استهدفت أرامكو منعطفا جديدا في الحرب السعودية على اليمن ، فمن خلالها اهتزت السعودية ومن خلفها ، وكشفت مدى قدراتها العسكرية والدفاعية وخسرت خلالها نصف إنتاجها النفطي ولم تستطيع اعادة ” خريص وبقيق ” للعمل مرة أخرى وهي التي صرحت بعد الحادثة ان اعادة الانتاج يحتاج لايام في الوقت الذي تحدثت فيها رويترز عن شهور ، وجدت السعودية نفسها امام معادلة جديدة فهرولت كعادتها لإتهام إيران والعراق وشكلت لجنة دولية لتحديد مكان انطلاق الطائرات ، وللأن لم تقول تلك اللجنة من أين جاءت تلك الطائرات ، الحادثة وضعت العدوان في مأزق حقيقي ، لتأتي بعدها بأيام فقط مبادرة أطلقها المشاط في خطاب له في الذكرى الخامسة لثورة 21 من سبتمبر من جانب واحد تقتضي بوقف استهداف المملكة بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية ، مقابل ايقاف العدوان لغاراته الجوية ولإعماله العسكرية ، هذه المبادرة الاحادية وصفتها صحيفة ” صحيفة ديفنس بوست البريطانية المعنية بشأن الدفاع في بريطانيا والعالم ” لن تجد السعودية أفضل من مبادرة صنعاء للسلام ” وحذر من رفضها قائد انصار الله ورحب بها المبعوث الأممي.

هذه المبادرة تناقلتها وسائل الاعلام الغربية والعالمية ، وظل الجميع ينتظر رد العدوان عليها ، وكان الرد عن طريق تسريب صحفي لصحيفة ” ول ستريت جورنال ” ان السعودية وافقت على المبادرة وستوقف القصف على أربع مناطق ، لكن هذا التسريب تم نفيه من قبل عضو المجلس السياسي الاعلى محمد علي الحوثي وقال بأن المبادرة تنص على ايقاف العدوان كاملا وان ما قالته الصحيفة يظل تسريب ولاجهة رسمية تقف خلفها . بعدها قالت وكالة رويترز أن السعودية تدرس “مبادرة المشاط” وتبحث عن مخرجاً من مأزق اليمن الوكالة نقلت عن مصادر دبلوماسية لم تسمها، قولها إن “السعودية تدرس بجدية وقف إطلاق النار المتبادل في اليمن” استجابة للمبادرة المعلنة من الرئيس مهدي المشاط الوكالة عززت هذه التسريبات الدبلوماسية السعودية بنقلها عن “مصدر عسكري كبير” لم تسمه، قوله إن: “الرياض فتحت خط اتصال مباشر مع رئيس المجلس السياسي في صنعاء عبر طرف ثالث”.وأضافت وكالة نقلا عن دبلوماسي اكتفت بوصف جنسيته وأنه أوروبي، إن: “ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يريد مغادرة مأزق اليمن وجار البحث عن مخرج مشرف يحفظ ماء الوجه” ،الوكالة نقلت أيضاً تغريدة لنائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان على «تويتر»، الخميس، قوله: إن “المملكة تنظر إلى هدنة الحوثيين بإيجابية” وأعادت نشر تعليقات سابقة هذا الأسبوع لولي العهد محمد بن سلمان.

وجاءت هذه التسريبات بعد يومين على نشر الوكالة تقريراً عن موجة استياء متنام داخل الأسرة السعودية الحاكمة من إدارة ولي العهد للبلاد وتداعيات الهجوم على منشآت شركة أرامكو النفطية ونقلت “رويترز” عن 5 مصادر مقربة من أمراء سعوديين أنهم يفضلون تنحي ابن سلمان لصالح عمه الأمير احمد بن عبد العزيز، عقب عودته غير المتوقعة إلى المملكة مؤخرا بعد إقامته خارجها لأسباب تتعلق بانتقاداته السياسية تسريبات وكالة “رويترز”، تأتي أيضاً بعد أيام على إعلان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أن “الحل السياسي في اليمن أسهل وأفضل من الحل العسكري”. مبديا ترحيبه بمبادرة الرئيس المشاط.

واعتبر ابن سلمان في مقابلة مع “سي بي أس” الأمريكية، ا، أن مبادرة رئيس المجلس السياسي مهدي المشاط للسلام “خطوة إيجابية قد تؤدي إلى حوار سياسي أكثر جدية” وقال ولي العهد السعودي: “نحن اليوم نفتح كل المبادرات للحل السياسي داخل اليمن، ونتمنى أن يحدث هذا اليوم قبل الغد”. لكنه في الوقت نفسه، اشترط ما سماه “وقف دعم إيران لمن وصفهم بالحوثيين” هذه التسريبات الصحفية جاءت بعد ان خذل ترامب السعودية ، والذي رفض ان يقوم بخطوة عسكرية ضد إيران ، وتعامل مع الحادث كمبرر أخر لجلب الاموال من السعودية ، وليضمن استمرار الاموال ارسل بتعزيزات عسكرية للرياض هدفها دفاعية بحسب ما أعلن عنه البنتاغون.

في الوقت الذي إلتزمت صنعاء بالمبادرة وأوقفت استهداف العمق السعودي ، استمرت ايضا بإطلاق التحذيرات للعدوان في حال رفض المبادرة ، بالمقابل استمر العدوان بإستهداف مختلف محافظات الجمهورية بممئات الغارات الجوية بحسب ما أعلن عنه الناطق الرسمي للقوات المسلحة ، مكابرة السعودية استمرت ، لكنها تدرك مخاطر مغبة الاستمرار في العدوان وتدرك معنى تلك التحذيرات استشعرت الرياض عواقب الاستمرار في قيادة تحالف العدوان السعودي الاماراتي الامريكي على اليمن، تجلى مؤخرا في الإيعاز للعراق بالتوسط للتهدئة بين السعودية وايران من ناحية وصنعاء والرياض من ناحية أخرى حيث أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أن السعودية تبحث عن التهدئة والسلام وأن اليمن مفتاح هام لحل أزمة الخليج، كاشفا أن زيارته الاخيرة للسعودية جاءت في هذا السياق وقال عبد المهدي في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة” الاثنين إن “استمرار القتال في المنطقة يمثل خسارة كبيرة عليها، واليمن يعتبر مفتاحا هاما للحل يمكن أن يساعد بإنهاء أزمة الخليج”.

عبد المهدي أوضح أن زيارته للسعودية “هدفت إلى التهدئة التي تعني تقديم تنازلات وفتح حوارات، والانفتاح على ملفات كانت مغلقة ولا يسمح بفتحها في مرحلة معينة”. مشيرا إلى أن “السعودية (أصبحت) تبحث عن التهدئة وإحلال السلام”.

وزار رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي نهاية سبتمبر الفائت، السعودية لساعات التقى خلالها الملك سلمان في مدينة جدة، وسط أنباء عن مبادرة عراقية للوساطة بين الرياض وكل من طهران، وصنعاء، والدوحة.

وفي حين اعتبرت هذه التصريحات إشهاراً لاستعداد الرياض تقديم تنازلات في ملف اليمن وأزمة قطر، قال رئيس الوزراء العراقي بأن “هناك دولاً عديدة يمكن أن تكون ساحة للحل والمفاوضات ومنها دولة العراق.

وقد علق وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، على مساعي الرياض للتهدئة، على هامش اجتماع الحكومة، بأن إيران مستعدة للانفتاح على السعودية إذا ما عدلت الأخيرة سلوكها.وقال ظريف، حسبما نقل التلفزيون الإيراني: سنستقبل السعودية بالأحضان إذا ما قامت بتغيير سلوكها ووصلت إلى نتيجة بأنها لا تستطيع توفير أمنها من خلال شراء السلاح وتسليم سيادتها لقوى الهيمنة الغربية.

مكابرة الرياض جعلها تواصل غاراتها رغم بروز مؤشرات على توافق المجتمع الدولي في تشجيع الرياض على الحوار مع المجلس السياسي الأعلى في العاصمة صنعاء، على وقف الحرب وانهاء العدوان والحصار المتواصلين منذ نحو 5 سنوات، وتداعياتهما الانسانية الكارثية من هذه المؤشرات كان على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في الاسابيع الماضية في نيويورك، اجتماع ثماني دول بينها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بشأن مبادرة الرئيس المشاط وأعلنت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والصين وروسيا أن المبادرة “خطوة أولى مهمة باتجاه عدم التصعيد ينبغي أن يعقبها تحرك إيجابي على الأرض من جانب الجيش واللجان علاوة على ضبط النفس من العدوان”.

ورغم هذا الترحيب من قبل المجتمع الدولي ، يسعى العدوان حثيثا للتسويف, والمماطلة إزاء المبادرة، ويحاول ان يتملص ، لكن هذه المبادرة وضعت السعودية أمام خيارين في اليمن أحلاهما مرّ وهما إما أن تختار طريق السلام وترضخ للواقع اليمني الرافض للوصاية الخارجية بفرض العدوان، أو تستعدّ للمزيد من الهجمات الموجعة في عمقها الاستراتيجي بعد اتساع رقعة الاهداف وتغيير توازن القوى لصالح الجيش واللجان الشعبية وكلا الخيارين صعب بالنسبة للسعودية حيث يلزمانها على الاعتراف بالهزيمة في العدوان على اليمن عسكريا وسياسيا ، ومع هذه المماطلة بقي الجيش واللجان متمسكين بالمبادرة ويطرحوها في لقاءاتهم الدبلوماسية مع سفرا العالم ، وايضا استمروا بالتحذير من رفضها حيث حذر رئيس المجلس السياسي مهدي المشاط في كلمته بمناسبة ذكرى ثورة 14 قوى العدوان من رفض المبادرة ويحذر من أن القادم سيكون اشد ايلاما .

تتعامل قوى العدوان مع مبادرة السلام بنوع من التسويف والمماطلة ، ففي الوقت الذي تطرح اليمن المبادرة وتتمسك بها وأخرها لقاء رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام مع السفير الصيني الذي دعى فيه لدعم مبادرة السلام ولقاء سفير اليمن في ايران مع دول امريكا الاتينية والذي دعاهم ايضا لدعم المبادرة ، في المقابل يستمر العدوان في غاراته الجوية أخرها قبل يومين حيث شن العدوان عشرات الغارات على صعدة والمناطق الحدودية ، ويستمر ايضا بإحتجاز سفن النفط ، هذا التعامل يوضح للعالم بأن العدوان لايريد السلام ويستمر في قرع طبول الحرب ، لكنه في المقابل يشير بأن السعودية تبحث عن مخرج لها من مأرق اليمن يحفظ لها ماء وجهها ليس بهذه الطريقة التي تجعل يد اليمني العليا ويجلعها صاحبة الحرب والسلام ، ما جعلها تفعل قنواتها الدبلوماسية وتبحث عن مخرج وهذه المرة ليس من واشنطن المشاركة بالعدوان بل من روسيا التي ظلت محايدة طيلة الخمس السنوات ، والتي وصل رئيسها قبل يومين إلى الرياض لمناقشة هذا الأمر ، وتعتقد بأن موسكو قد تلعب دورا هاما في هذا الجانب خصوصا وانها محايدة ولم تتدخل في الحرب اليمنية ، وقد تأتي بمبادرة او خطة تقبل بها اليمن من أجل أنقاذها من المستنقع اليمني.

ورطة السعودية في الحرب اليمنية جعلها عرضة للإبتزاز من قبل الدول الكبرى ، وجعلها ايضا في مرقف صعب للغاية ، ستستجدي الحل من روسيا وامريكا ، رغم ان الحل مطروح أمامها القبول بمبادرة السلام الذي اعلن عنها مهدي المشاط اواخر سبتمبر الفائت ، فهيا المبادرة التي ستحفظ ماء وجهها ويخرجها من مأزقها ، اما دون ذلك فالسعودية ستدفع المليارات لترامب ويجعلها مرضة لهجمات كبيرة قد تكون اشد من السابق.