المشهد اليمني الأول/

تحدّثت وسائل الإعلام الصهيونية يوم الأحد عن لقاء وزير خارجية الكيان الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” ببعض المسؤولين من الدول الخليجية خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وتقديم اقتراح “معاهدة عدم الاعتداء”.

كما كتب وزير خارجية الكيان في حسابه على تويتر: “في الآونة الأخيرة، وبدعم من رئيس الوزراء، أتابع مبادرةً دبلوماسيةً للتوصل إلى اتفاقات عدم اعتداء مع الدول الخليجية”.

وأكد أنه التقى وزراء خارجية عدد من الدول العربية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي.

وفي وقت لاحق، أكدت بعض وسائل الإعلام العربية أن وزير خارجية الكيان الإسرائيلي قد أعلن عن خطته لتطبيع العلاقات مع الدول العربية.

ومع ذلك، ذكرت صحيفة “الجريدة” الكويتية يوم الاثنين أن اثنين من وزراء خارجية العرب قد استلما مباشرةً المسودة الإسرائيلية بشأن “معاهدة عدم الاعتداء”، لكن الوزير الكويتي قد رفض استلام الاقتراح حتى من خلال وسيط، قائلاً إنه يعارض الخطة ليس ممثلاً عن بلاده فحسب بل بتمثيل من الدولتين الخليجيتين الأخريين أيضاً.

وفي حين تم الإعلان عن اجتماع وزير الخارجية البحريني مع المندوب الصهيوني في وقت سابق، يبدو أن الشخص الثاني هو وزير الخارجية السعودي.

على الرغم من أن الخطة لم يتم الإعلان عن أحكامها رسمياً بعد، إلا أنها تتضمن أربعة بنود وفقاً لتقرير القناة 12 التلفزيونية الإسرائيلية.

يشمل البند الأول تنمية الصداقة والتعاون بين “إسرائيل” والدول الخليجية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.

وينص البند 2 من الخطة على ضرورة اتخاذ “تدابير فعّالة ومؤثرة” لضمان عدم اشتراك أي طرف في أنشطة مثل الحرب والعداء والتخريب والتحريض ضد الآخر.

وبموجب البند 3 من هذه الخطة، لن يدخل أي من الطرفين (إسرائيل والدول الخليجية) في تحالف أو منظمة أو ائتلاف مع دولة ثالثة يحمل طبيعةً عسكريةً أو أمنيةً، ولن يتعاون أي من الجانبين مع هذه التحالفات والمنظمات، ولن يقوم بالدعاية لمصلحتها.

كما جاء في البند 4 من الخطة أنه سيتم حل جميع الخلافات بين الطرفين حول هذا الاتفاق من خلال التشاور والحوار.

بطبيعة الحال، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، ما هي أهداف الصهاينة من تقديم هذه الخطة؟ ولماذا يتم الكشف عنها في هذا الوقت بالذات؟

مبادرة هرمز للسلام وخلق البديل المثير للتوتر

في ضوء الأهداف الصهيونية من تقديم هذه الخطة، والتي ترمي بشكل طبيعي إلى تسريع عملية تطبيع العلاقات مع الدول العربية، من المهم جداً النظر في توقيت تقديم الخطة.

في الواقع، تم تقديم الخطة في وقت تهدف فيه جمهورية إيران الإسلامية إلى الحدّ من التوترات في المنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية بطرق مختلفة، ومن خلال استعدادها للجلوس على طاولة المفاوضات مع الدول الخليجية وإعداد ميثاق أمني إقليمي شامل.

وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الإيراني “حسن روحاني” قبل زيارته إلى الأمم المتحدة، عن خطة طهران لإعادة الاستقرار إلى الخليج الفارسي بعد هجوم أنصار الله الكبير على المنشآت النفطية السعودية، وقال إنه سيكشف عن “خطة هرمز للسلام” في الأمم المتحدة، ليظهر الإرادة الحقيقية لإيران في منع تكثيف التوترات في المنطقة.

وسبق أن كشفت وزارة الخارجية الإيرانية عن مثل هذه المبادرة بأشكال أخرى، حيث اقترح وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف” أثناء زيارته إلى بغداد في شهر يونيو الماضي، اتفاقيةً إقليميةً بعدم الاعتداء.

وكان قد اقترح في وقت سابق أيضاً توقيع اتفاقية عدم اعتداء مع السعودية، وقد اقترحت إيران من قبل “منتدى الحوار الإقليمي(الجماعي)” أيضاً.

الخطر الذي تشكله هذه الخطة للصهاينة، قد يكون الانتباه إلى المخاوف المتزايدة للدول الخليجية، بعد رؤية عدم نجاح سياسة ترامب المتمثلة في الضغط الأقصى على إيران، بحيث وجدت السعودية والإمارات كداعمين لهذه السياسة أيضاً، أن واشنطن لن تكون قادرةً على توفير الأمن لهذه الدول في الظروف المتأزمة.  

وبناءً على ذلك، بدأت الإمارات تخرج من الحرب اليمنية، وتسعى إلى إعادة بناء العلاقات مع طهران، ووفقاً للمتحدث باسم الحكومة الإيرانية، فقد بدأ السعوديون الأسبوع الماضي في إنشاء قنوات اتصال وإرسال رسائل إلى طهران.

ورغم إعلان وزير خارجية البحرين في الأمم المتحدة عن رفض الخطة الإيرانية، لكن رفض وزير الخارجية الكويتي للرسالة الصهيونية، ورفضه للخطة نيابةً عن عضوين آخرين في مجلس التعاون(قطر وعمان)، يظهر أن قلق أمريكا والكيان الإسرائيلي حقيقي تماماً.

تتمثل مصالح أمريكا والكيان الإسرائيلي في استمرار الأجواء العدائية بين إيران والدول الخليجية، والتأكيد على عدم انضمام الأعضاء في “أي تحالف أو منظمة أو ائتلاف مع دولة ثالثة يحمل طبيعةً عسكريةً أو أمنيةً” في الخطة المذكورة، يستند على وجه التحديد إلى أساس استمرار الظروف المتوترة في المنطقة، وهي لن تكون قادرةً على توفير الأمن للدول الخليجية.

الجهود الأخيرة على حافة الانهيار

في جزء آخر من تحليل الأهداف الصهيونية، يمكن النظر إلى الظروف الداخلية المتأزمة لحزب الليكود.

حيث لم يتمكّن نتنياهو بعد من تشكيل الحكومة بعد جولتين من الانتخابات، وتزامُن هذه الأزمة مع التحقيق في قضايا الفساد العائلي، قد وضعه في موقف صعب.

بطبيعة الحال، يمكن لتطبيع العلاقات مع الدول العربية أن يعطي ميزةً مهمةً لأي حزب في الأراضي المحتلة، وكان نتنياهو يتطلع إليه أيضاً وفقاً للجدول الزمني المحدد لإعلان وتنفيذ خطة القرن.

ولكن الآن، لم يؤجل ترامب الإعلان عن هذه الخطة إلى بعد تشكيل الحكومة في الأراضي المحتلة فحسب، بل حتى إن تنفيذ صفقة القرن قد اكتنفه الغموض بشكل خطير أيضاً.

وفي ظل هذه الظروف، يمكن اعتبار إعلان معاهدة عدم الاعتداء، بمثابة رمية في الظلام من قبل نتنياهو وحزب الليكود.

الأهداف الاقتصادية

الأهداف الاقتصادية جزء مهم آخر من إثارة معاهدة عدم الاعتداء.

في خطة الشرق الأوسط الكبير التي طرحها رئيس الكيان الإسرائيلي السابق “شمعون بيريز”، أُعلن أنه بحلول عام 2035، يجب على “إسرائيل” أن تزيد حجم علاقاتها الاقتصادية إلى 70 مليار دولار، وواحدة من أقرب الأماكن لهذا التخطيط الاقتصادي، هي الدول الخليجية ذات العائدات النفطية الكبيرة والسوق الاستهلاكية الكبيرة.

وفي نوفمبر 1397، أثناء زيارة يسرائيل كاتس إلى عمان، والذي كان وزير النقل في الحكومة الصهيونية حينذاك، أُعلن رسمياً ولأول مرة عن خطط لبناء خط للسكك الحديدية بعنوان “السلام الإقليمي”.

وكان الغرض من هذه الخطة هو ربط الخليج الفارسي إلى البحر الأبيض المتوسط عبر السكة الحديدية، وبالتالي ربط كيان الاحتلال بالأردن والسعودية والدول الخليجية الأخرى، بما في ذلك الإمارات والبحرين وعمان وقطر والكويت.

وفي الواقع، ستكون اتفاقية عدم الاعتداء خطوةً مهمةً للغاية لتفعيل البرامج الاقتصادية الصهيونية في المنطقة.