المشهد اليمني الأول/

الواضح أن ضربة منشآت أرامكو في بقيق السعودية أكبر من تصبح حدثا عابرا، وأقرب إلى كونها نقطة تحول، ولكن بأي اتجاه؟ يرمي الرئيس دونالد ترامب كرة اللهب نحو الرياض، ويترك لها تحديد الفاعل، ليتصرف على أساس ما ستقوله السعودية. منطق الأمور أن تسأل الرياض، هذا السؤال للحليف الامريكي الذي، يملك حاملات الطائرات والمراقبة الجوية والبحرية ومهمة الحماية. لكن دونالد ترامب قرر أن يخطو اول خطوات الهروب من الملف، لاعتبارات كثيرة، فهو ليس بحاجة لسناتور أمريكي ليذكره أن أمريكا لا تخوض حربا نيابة عن السعودية، هو نفسه صاحب هذه النظرية ومثيلاتها، وهو يسعى لأحداث اختراق مع إيران بلقاء الرئيس روحاني بعد أيام في الأمم المتحدة.

بعض النخب السعودية وآخرين من جنرالات التوتر واليوتيوب اندفعوا لاتهام إيران وكيل الوعيد والتهديد. وبعض الاتهامات طالت الحشد الشعبي العراقي وفق فرضية أن الطائرات المسيرة التي استهدفت المملكة انطلقت من جنوب العراق. لكن الموقف الرسمي السعودي كان أكثر حذرا من شطحات الواجهة الافتراضية، وقد أشارت بعض النخب في السعودية إلى ضرورة عدم، الوقوع في الفخ الأمريكي، في إشارة تعكس مستوى ضعف الثقة بالإدارة الأمريكية بعد تجربة التوتر الأخير في مياه الخليج.

أعطت الرياض فرصة للتحقيقات، واكتفت بالإشارة إلى أن الأسلحة المستخدمة في الهجوم أسلحة إيرانية دون إعلان اتهام رسمي لإيران حتى الآن. وكذلك دعت لمشاركة عدد من الدول في التحقيق. وهي بذلك وحتى اللحظة استطاعت الإفلات من، الفخ الأمريكي.

بعض التقارير تتحدث عن مسؤولية الحشد الشعبي، كرد على الغارات الإسرائيلية التي استهدفته وهي غارات انطلقت حسب بعض المعطيات من شرق الفرات ومن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في سوريا وبتسهيل وتمويل وتنسيق سعودي، بعد زيارات متكررة للوزير “ثامر السبهان، الى تلك المنطقة”. وهذه معلومات تبقى موضع شك. وبعض التقارير تتحدث عن مسيرات انطلقت من البحر في إشارة إلى مسؤولية مباشرة للحرس الثوري. ولكن حركة أنصار الله في اليمن في نهاية المطاف قالت انا الفاعل.

الولايات المتحدة تريد أن تخلق للسعودية حوثي آخر في العراق. وإذا ما ردت السعودية عسكريا، على الحشد الشعبي العراقي، او غير بطريقة غير، مباشرة، فإنها ستكون في فوهة المدفع، وستعمل من حيث تدري أو لا تدري على خدمة أهداف إسرائيلية أمريكية في العراق، بينما هي وحدها من يتلقى الضربات.

الاهتمام السعودي والأمريكي منصب حول من أين جاءت المسيرات؟ أي حول المكان. وهذا لا يغير في حقيقة الوقائع من شيء. إنما الجوهري في القضية هي الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد. ومعالجة أي معضلة تبدأ بإزالة الأسباب. أي إنهاء الحرب في اليمن والعمل على حل سياسي يوقف هذا الصراع من أجل مصلحة اليمن ومصلحة السعودية والمنطقة.

هذا ما قرأ من أجله الرئيس فلاديمير بوتين امس، الآية التالية “واعتصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا”.

في معرض تعليقه على هجوم أرامكو والحرب في اليمن، ألقى بوتين طوق نجاة للسعودية وهو ليس أول الناصحين لها بالتخلي عن الحرب. وعرض بوتين مسارا تفاوضيا لا ينبغي للمملكة أن تتجاهله. روسيا قادرة على لعب دور الوسيط، وفلاديمير بوتين بلا شك قد تحدث مع الرئيس الإيراني حسن روحاني في هذا الشأن. روسيا هي أكثر طرف مؤهل لرعاية مفاوضات يمنية سعودية تنهي الحرب. وسبق أن جربت الإمارات الوساطة الروسية بعد زيارة وزير الخارجية الإماراتي” عبد الله بن زايد”، موسكو. وهذه الزيارة جنبت أبو ظبي هجمات كانت وشيكة وعلى قدر كبير من الحساسية.

الولايات المتحدة لن تخوض حربا من أجل السعودية هذا ثابت، بل على العكس تريد لها أن تنخرط في مزيد من الصراعات لفائدة مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. وعليه تظل السعودية تشتري السلاح، بالمليارات، وتتحمل هي وحدها تبعات بيئات معادية لها في الجوار والمحيط الحيوي. بعد أشهر قليلة سوف تدخل الولايات المتحدة طقس الانتخابات، ولن يكون هناك مجال واسع لها في التحرك أو شن هجمات أو تحمل ردود فعل. ولذلك على السعودية أن تتوقع المزيد من الهجمات من اليمن.

فبينما يستخدم بوتين آية قرآنية لحث السعودية على وقف الحرب واللجوء إلى الحوار، يجرها دونالد ترامب إلى مصير مجهول. وعليها أن تختار وباقصى سرعة ممكنة أيا من الطريقين سوف تسلك؟
ــــــــــــــــــ
كمال خلف
كاتب واعلامي فلسطيني