المشهد اليمني الأول |

لليوم الثالث على التوالي، استمرت “عملية توازن الردع الثانية” بالاستحواذ على الاهتمام العالمي، فارِضةً نفسَها كضربة “تأريخية” هي الأكبرُ من نوعِها ضد نظام الهيمنة الأمريكية منذ عقود، حيث لا زالت تداعياتها ونتائجها تكشفُ عن “انتكاسة” اقتصادية ضخمة للسعودية وسقوط مُدَوٍّ ومستمر لمكانتها “النفطية” التي تمثل محور ارتكاز تحالفاتها السياسية والعسكرية أَيْـضاً.. انتكاسةٌ وجهت أنظار العالم إلى رد فعل الولايات المتحدة؛ باعتبارها المعنيَّ الأولَ بخسارة الرياض، لكن كُـلّ ما فعلته واشنطن لم يكن سوى محاولات بائسة؛ لإخراج نفسها من دائرة الفضيحة، وبدون جدوى، إذ باتت الفضيحة هي من تسيطر على المشهد الذي يبدو فيه الخيار الوحيد أمام واشنطن هو وقف العدوان على اليمن، وبالتالي تحقيق الهدف الرئيسي الذي رسمته القيادة اليمنية لعمليات “توازن الردع”.

 

“أرامكو” تتداعى

بعدَ 48 ساعة من الهجوم، ظهرت خلالها الكثيرُ من تفاصيل وأرقام الخسارة السعودية، بدءاً بإعلان توقّف نصف إنتاج النفط السعودي، وُصُــولاً إلى التأكيد على أن الأضرار التي لحقت بالمصفاتين أكبر من إصلاحها في أيام، جاء يومَ أمس الاثنين، بتفاصيلَ جديدةٍ كشفت المزيدَ عن الخسارة الأمريكية السعودية، حيث فتحت أسواق النفط العالمية على ارتفاع في اسعار النفط بنسبة وصلت إلى 20%، وَصعود العقود الآجلة لخام برنت إلى 71.95 دولار للبرميل يومياً.. ارتفاعٌ لم يكن من النوع الذي تستفيد منه السعودية التي كانت قد وعدت بأنها ستعوّضُ النقصَ من “احتياطيها”.

بهذا تثبت تأثيرَ الهجوم اليمني على أكثرَ من 5% من إمدادات النفط العالمية، واضعاً السعودية في موقف محرج، ومزعزعاً مكانتها في “الأوبك” ومكانة “الأوبك” نفسها.

وتزامَنَ ذلك مع فضيحة أُخرى مدوية، كشفتها العديد من وكالات الأنباء الدولية التي نقلت عن مصادر مطلعة أن “أرامكو تحتاج إلى أشهر (وليس أسابيعَ أَو أياماً) للعودة إلى إنتاج النفط بالكميات الطبيعية”، وهو ما يعني ثبوتَ استمرار انهيار المكانة النفطية للسعودية في العالم بتوقف أكبر وأهم منشآتها النفطية (بقيق)، وبالتالي تكون الرياض قد تلقت أكبرَ ضربة اقتصادية في تأريخها، بالنظر إلى أرقام خسائرها التي ستتضاعف باستمرار خلال الفترة المقبلة.

المزيدُ من تفاصيل تداعيات ودلائل هذا الانهيار السعودي ظهرت، أمس أيضاً، إلى جانب ما سبق، إذ كشفت وكالة رويترز، أن السعودية “أغلقت خط أنابيب لنقل النفط الخام إلى البحرين كان ينقل 220 ألف برميل يومياً” وأن “شركة بابكو البحرينية تعملُ على إتاحة سفن لجلب 2 مليون برميل من الخام السعودي جراء إغلاق خط الأنابيب بعد أن أغلقت وحدات من بينها وحدة تقطير خام بطاقة 22 ألف برميل يومياً في مصفاة سترة”، كما أنه تم “تقليصُ العمليات في مصفاتي ساسرف وبترورابغ السعوديتين بما يصل إلى 40%”.

وكشفت رويترز أَيْـضاً أن السعوديةَ “طلبت شراء منتجات نفط للتسليم الفوري”، وهو ما يؤكّـدُ أن الفترةَ المطلوبةَ لعودة مستوى الإنتاج أكبر من قدرة “احتياطي” السعودية على التغطية، وأن تسارُعَ تدهور أرامكو خرج عن السيطرة، وربما وصل إلى نقطة “اللاعودة”.

 

القواتُ المسلحة: “بقيق” وَ”خريص” ما زالتا في قائمة الأهداف

وقبلَ أن تفكرَ السعوديةُ باختلاق أية تضليلات جديدة؛ لطمأنة السوق المضطرب حول كُـلّ ذلك، ظهر ناطق القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، بتصريحاتٍ جديدةٍ تضمنت تحذيراً بالغَ الأهميّة “للشركات والأجانب من التواجد في المعامل التي تم ضربها؛ لأَنَّها لا زالت تحتَ الاستهداف وقد تطالها الهجمات في أية لحظة” وهي رسالة واضحة بأنه لا مجال لعودة إنتاج النفط السعودي إلى سابق عهده، فإلى جانب فقدان نصف هذا الإنتاج، ستكون جهود المملكة لإصلاح المنشآت مجرد أرقام إضافية تضاعف سرعة الانهيار الاقتصادي، عندما يتم ضربها مجدّداً.

رسالة ناطق القوات المسلحة هدت كُـلّ الأسوار الوهمية الذي ظلت ترفعها كُـلّ من السعودية والولايات المتحدة لحماية ما تبقى من “السمعة النفطية”، من خلال محاولات تحجيم وتأطير الهجوم والتقليل من شأنه أَو إيهام العالم بأنه لن يتكرّر.

هذا ما ظهر أَيْـضاً في ما كشفته صحيفة “وول ستريت جورنال”أمس، حيث نقلت عن مصادر مطلعة أن “مسؤولون سعوديون يدرسون إرجاء الطرح العام الأولي لأرامكو” وأن الهجمات التي تعرضت لها الشركة “ستؤثر على قيمتها سلبيا وأن استمرارها سيضاعف تخفيض قيمتها”.. الأمر الذي يؤكّـد استيعاب المستثمرين لحقيقة أن الهجوم أوصل الانهيار السعودي إلى نقطة اللاعودة، وأنه لم يعد يهم الحديث عن أي “احتياطي” أَو “إصلاحات” بعد ما حدث، وفي ظل استمرار الخطر القائم والمتمثل بقوة الردع اليمنية.

 

خيارٌ وحيدٌ أمام الولايات المتحدة

أمام كُـلّ هذه التفاصيل – التي على الرغم من ضخامتها لا زالت تبدو عاجزةً عن توضيح الحجم الحقيقي للضربة – استمر الموقفُ الأمريكي بالدوران حول هدف “تمييع” العملية فقط ومحاولة الخروج من دائرة الفضيحة، وهو هدفٌ يشي بعدم امتلاك الولايات المتحدة أية خيارات أُخرى مُجدية للتعامل مع الكارثة التي حلت بمصالحها.. ظهر ذلك في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس، والتي بدأت بالإعلان عن أن إدارته “تنتظر السعودية للتأكّـد من المسؤول عن الهجوم”، (بالرغم من اتّهام بومبيو لإيران سابقاً) ثم التأكيد على أن “أمريكا لا تحتاج لنفط وغاز الشرق الأوسط لكنها ستساعد حلفاءَها”.

تصريحاتٌ كشفت بوضوح أن إقدام واشنطن على توزيع الاتّهامات لإيران والعراق، يهدفُ فقط إلى خلق جدل تستطيع الولايات المتحدة أن تغذيَه وتوظفَه؛ لتصرف به الأنظارَ عن حقيقة الضربة التأريخية التي تلقتها، وتجُــرَّ نفسها خارج دائرة الخسارة، إعلاميا، بإظهار عدم تأثرها بما حدث.

لكن حتى هذه المساعي لم تكن أكثر حظاً من مساعي السعودية لتخفيف الفضيحة، فالمزاعمُ التي أثارتها الولاياتُ المتحدة حول “عدم يمنية” الهجوم، إلى جانب كونها غرقت في سَيل تفاصيل الخسائر، نسفت أَيْـضاً، أمس، مجدّداً بكشف العميد يحيى سريع، عن أن “الهجوم نُفِّذَ بطائرات تعمل بمحركات مختلفة وجديدة ما بين عادي ونفاث” وتأكيده بأن “اليد الطولى للقوات المسلحة قادرة على الوصول إلى أي مكان تريد وفي الوقت المحدّد لها”، الأمر الذي أعاد إلى المشهد رسالةَ التطور العسكري اليمني وتهديده المستمر للاقتصاد السعودي.

أما ادّعاءُ ترامب بأنه لا يحتاجُ إلى “نفط وغار الشرق الأوسط” فقد كان محاولةً مكشوفةً؛ لإخفاء الاشتراك في الخسارة وتلميع الولايات المتحدة على حساب سقوط السعودية، لكنه كان أَيْـضاً دليلاً واضحاً على نجاح الضربة اليمنية في كسر العنجهية الأمريكية التي لم يكن لها أن تكتفيَ بهذه التصريحات والخطوات، لو لم تكن تدرك جيَدًا أنها تواجهُ مخاطرَ حقيقيةً تهدّدُ مصالحها.

يقودُنا هذا إلى الهدف الرئيسي من عمليات “توازن الردع” وهو إجبارُ الولايات المتحدة في المقام الأول على إنهاء العدوان، وهو ما يبدو أنه أحد خيارين وحيدين لا يمتلكُ “ترامب” غيرهما، خَاصَّةً وهو على أبواب حملته الانتخابية، فإما وقفُ العدوان الآن، وإما الاستعدادُ لضربات اقتصادية أكبر وأوسع أثبتت القوات اليمنية القدرة والاحترافية في تنفيذها.

بالتالي يمكن القول إنه لا يوجد عملياً سوى خيار واحد أمام “واشنطن”، وهو الإذعانُ لإرادة اليمن الذي نجح في نقل تأثير تجربة الحصار الاقتصادي التي عانى منها طوال السنوات الماضية، إلى العالم الذي ظل صامتاً إزاء ذلك الحصار.

المصدر : المسيرة