المشهد اليمني الأول/

بعدَ مرورِ قُرابةِ خمسة أعوام من العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، تحت عناوينَ زائفةٍ تبدّلت تارةً، وتغيّرت تارة أُخرى، تلاشت الصورةُ الضبابيةُ لدى الشعوب الغربية، وبدأ الرأيُ العام في تلك البلدان يعرفُ حقيقةَ ما يجري في اليمن، بعيداً عن إملاءات وسائل الإعلام التابعة لأنظمة بلدانهم، والتي انتهجت أسلوبَ التضليل والتعبئةَ الإعلامية المضادة للحقيقة؛ لضمان استمرار مصالحها من هذا العدوان، وهذا من جانب، ومن جانبٍ آخر؛ للتهرب من المساءلة الشعبيّة والقانونية حول مبيعات السلاح التي تصدّرها بلدانُهم لتحالف العدوان الذي يقتلُ بها المدنيين والأبرياء.

فبعد الاحتجاجات الشعبيّة في عدد من الدول الغربية كبريطانيا وأمريكا وبلجيكا على خلفية تصديرِ الأسلحة للسعودية والإمارات؛ لقتل اليمنين، نشرت مجلةٌ ألمانيةٌ تحقيقاً استقصائياً نوعياً للباحثة الألمانية ” كورنيليا ماير” المتخصّصة في الفلسفة التحليلية، سلّطت الأضواءَ فيه ولأول مرة على المصطلحات والعناوين الزائفة التي تتناولها باستمرارٍ وسائلُ الإعلام الألمانية الرسمية حول العدوان على اليمن؛ وذلك لتشويش الصورة على المتلقين حول حقيقة ما يجري، الأمر الذي يؤكّـدُ تناميَ الوعي لدى الشعوب الغربية التي باتت لا تنطلي عليها إملاءاتُ أنظمتها سواءً عبر الإعلام أَو عبر أي شيء آخر.

وقال التحقيقُ الاستقصائي الذي أجرته “ماير” وقدمته في ندوة “سالزبورغ” حول الإبادة الجماعية في اليمن، ونشرته مجلة “تيليبوليس” الألمانية نهاية الأسبوع الماضي: ’’إن بعضَ العبارات المستخدَمة بشكلٍ متكرّرٍ في وسائل الإعلام الرسمية تنطوي على تعابيرَ ضمنيةٍ لا تعبر فعلياً عن ما يجري في حرب اليمن، فتلك التعابير الضمنية تهدف إلى تمويه وتغييب جوانبَ مهمة في الصراع‘‘، مضيفاً ’’كان علينا أن نطرحَ السؤال: إلى أي مدى بلغ التحيُّزُ أَو الحياد عند نشر المعلومات حول حرب اليمن في وسائل الإعلام الألمانية الرئيسية؟‘‘، مؤكّـداً أن التغطيةَ الإعلامية للعدوان على اليمن ليست مُرضيةً للشعب الألماني أَو المقيمين في ألمانيا ’’ومن أجل ذلك كان من الضرورة بمكان أن نجريَ تحقيقاً تجريبياً، وهو أمرٌ ممكن جزئياً فقط في سياق هذه المقالة‘‘.

واستهل التحقيقُ بإحصاء الوسائل الإعلامية التي تتناولُ مصطلحاتٍ مضادةً للحقيقة، حيث قال: لقد درسنا 10 وسائل إعلامية بإجمالي 27 مادةً صحفية، مضيفاً:’’أوليت اهتماماً خاصاً بالصياغة المعيارية التي تصفُ الحوثيين بالـ “متمردين” الـ “مدعومين من إيران” في حين يطلق على “حكومة هادي” بالـ “حكومة المعترف بها دولياً”، كما أني وجدتُ أن نصفَ وسائل الإعلام الرئيسية تتداول عبارة الـ “السُّنة ضد الشيعة” ووسائل الإعلام الألمانية على مواقع الانترنت تستخدمها في أغلب الأوقات لا تتلاءمُ مع ما يجري فعلاً في الحرب اليمنية؛ كون تلك التعابير ضمنيةً تهدفُ إلى تمويه وتغييب جوانبَ مهمة عن الصراع‘‘.

وعن صورة تقديم أحداث الحرب في وسائل الإعلام الألمانية الرسمية قالت الباحثة “ماير”: تم اختيارُ المواد وفقاً لعنوان البحث “حرب اليمن” وتاريخ نشرها، وفيما يلي قائمة بأهم النتائج:

“المتمردون الحوثيون ضد الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً”!

وهنا يقولُ التحقيق: إن هذا المصطلح يستخدم لتعتيم الصورة حول “أنصار الله” واليمنيين المناهضين للتدخل السعودي، مضيفاً: ’’قام “الحوثيون” باحتجاجات في العام 2014 لصالح الشعب اليمني وحتى أنهم توصلوا إلى التوقيع مع هادي على اتّفاق للسلام والشراكة الوطنية، ولكن هذا الرئيس الانتقالي اُعتبر فاسداً وغيرَ كفء ولم يقم بأية محاولة لإجراء انتخابات جديدة، متجاهلاً الإنذارات النهائية، ومن هذا المنطلق لم يعد من الممكن اعتباره شرعياً، فهو بدلاً عن ذلك جعل الإصلاحات الاقتصادية في اليمن مرتبطةً بالمملكة العربية السعودية ودولة قطر، مَا تسبب في فقدان الآلاف من فرص العمل التي كانت ممكنةً من خلال الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) ثم المشاركة في السوق العالمية الحرة‘‘.

وأكّـد التحقيق أن الفارّ هادي لا يحظى أي دعم يمن سوى من أتباعه القلة، مضيفاً “لم يكن لدى الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي الدعم اللازم سواء في المؤتمر الشعبي العام، الحزب الحاكم أَو في الجيش”، مُشيراً إلى أن إقامته خارج البلد وعجزه عن تواجده وتواجد حكومته في اليمن يؤكّـد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الشرعية لم تكن يوماً قانونية.

وأضاف التحقيق بالقول ’’حتى وإن اعتبر أن هادي تم تعيينُه كرئيس شرعي لكن من بعد العام 2014 لم يعد الحديثُ بذلك ممكناً والقول بأن حكمَه ما يزال شرعياً، فقد تم إضفاءُ الشرعية عليه فقط كرئيسٍ انتقالي؛ بهَدفِ إجراء انتخابات جديدة بعد عامين ومع ذلك، لا يزال يُذكَرُ بأنه المعترَف به دولياً حتى اليوم، لذلك، ليس بالإمْكَان القول بأن مثل هذه التقارير التي تصفُ الحكومة بأنه “معترف بها” وأن الحوثيين “متمردون” حقيقية وهذا التقسيم لا ينطبق على الواقع في اليمن‘‘.

وتابع التحقيق ’’لقد كان هادي هو المرشح الرئاسي الوحيد في “الانتخابات” في العام 2012. ولكن، كما أن مستوى المعيشة للسكان في اليمن انخفض في السنوات من 2012 وحتى 2014 بشكل كبير، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وكل هذه الجوانب هي الأسباب التي أدى إلى مطالبةِ جزء كبير من السكان بالإطاحة به وبحكومته‘‘.

واختتم التحقيق التعليقَ على هذا المصطلح ’’الشيء الوحيد الواضح هو أن السعوديين جعلوا من شرعية هادي المشكوكِ فيها مبرراً للحرب تقدمه وسائل الإعلام، كما أن “الحوثيين” هم مجموعة كبيرة من الشعب اليمني وتحديداً من المذهب الزيدي الذي يمثل ثلث اليمن‘‘، مؤكّـداً أن ’’صيغة “المتمردين” والحكومة أَو الحكومة المعترف بها دولياً” تظهر فقط كيف أن جميعَ وسائل الإعلام تتخذ موقفاً متحيزاً في هذه الحرب لصالح السعودية وحلفائها‘‘.

عبارةُ “الحوثيون المدعومون من إيران”

وعن هذه العبارة، أكّـد التحقيقُ الاستقصائي ’’أن هذا الصيغة تظهرُ في كُـلّ وسيلة إعلام ألمانية رسمية؛ بهَدفِ الترويجِ لمزاعم السعودية والولايات المتحدة الأمريكية بأن إيران تدعم أنصار الله‘‘، مضيفاً ’’أن هذه الادعاءات لا أَسَاس لها من الصحة، فالأحداث منذ 2014 في اليمن ومنطقة الخليج تفند المزاعم التي تفيد بأن إيران توجّـه الحوثيين‘‘، مؤكّـداً أن ’’الدعم الإيراني لأنصار الله لا أَسَاسَ له من الصحة وليس كما تصوِّرُه سائلُ الإعلام وهو ضئيلٌ ولا يكاد يُذكر‘‘.

وأشارت الباحثة “ماير” إلى ’’أن الدعمَ الأمريكي للسعودية كبيرٌ جِـدًّا وتحاول وسائل الإعلام الألمانية الرسمية عدمَ إبراز دُور واشنطن النشط في الحرب على اليمن، في حين تضخم دور إيران في هذه الحرب على الرغم من عدم مشاركتها بصورة مباشرة أَو غير مباشرة‘‘، مضيفة بالقول: ’’دور واشنطن الكبير في اليمن يتم الحديث عنه بنسبة 15% فيما تتحدث وسائل الإعلام الألمانية بنسبة 85% عن دور طهران المنخفض جِـدًّا الذي بالكاد لا يُذكر‘‘.

وتابعت “ماير” في تحقيقها ’’من المعروف أنه منذ بداية الحرب، كانت الولايات المتحدة تبيع أسلحة بمئات المليارات من الدولارات للمملكة العربية السعودية، ناهيك عن المعلومات الاستخباراتية وتزويد الطائرات المقاتلة بالوقود في الجوّ حتى العام 2018، وهذا ما لم تفعلْه إيران مع حلفائها الحوثيين إطلاقاً‘‘.

وتطرق التحقيقُ إلى أن التدخل السعودي الإماراتي في اليمن يثبت أن هادي وحكومتَه كانوا يمثلون مصالحَ الرياض وأبوظبي بعيداً عن مصالح اليمنيين، مضيفاً بالقول ’’يتضح من وراءِ التدخل الخليجي في الحرب على اليمن حقيقة أن هادي كان يمثّل بالفعل مصالحَ مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، وكان صعودُه إلى السلطة وحكمه الانتقالي نتيجةً لدعم هائل من السعودية والإمارات، حيث لا يتمتع بأية شعبيّة أَو تأثير ملموس في المحيط السياسي الذي يتحَرّك فيه‘‘.

عن المقارنة بين التدخل السعودي والتدخل الإيراني في الحرب على اليمن، قال التحقيق: إن وسائلَ الإعلام الألمانية قلبت الحقائق تماماً، حيث ضخّمت من حجم دعايات التدخل الإيراني ودعمهم لأنصار الله بدرجة كبيرة وغضّت الطرف عن التدخل السعودي، مضيفاً بالقول ’’مع وجود المملكة العربية السعودية في طليعة تحالف الحرب على اليمن، ومع وجود الآلاف من الغارات الجوية بمساعدة الأمريكيين، فإنها ببساطة غير ملائمة لوصف الدور السعودي بأنه مجرد داعم لحكومة هادي‘‘.

وأضافت “ماير” في تحقيقها الذي نشرته مجلة “تيليبوليس” الألمانية: ’’لماذا يتعين على المملكة العربية السعودية اعتبارُ الحوثيين خطراً؟؛ لأَنَّها الفصيل اليمني الأكثر تصميماً على استقلال اليمن وهو فصيلٌ غيرُ قابل للبيع‘‘.

واختتمت ماير معطياتِ تحقيقها عن عبارة “الحوثيون المدعومون من إيران” بالقول: ’’إن الصِّيَغ الصحفية التي تصوّر الدعم الإيراني للحوثيين تدعو القراءَ في وسائل الإعلام على الإنترنت إلى رسم صورة مزيّفة عن حالة الصراع، مع تغييب الدعم الواقعي للسعوديين من قبل الولايات المتحدة الأمريكية‘‘.

مصطلحاتُ “حرب الوكالة – السُّنة ضد الشيعة”

وحولَ هذه المصطلحاتِ الزائفة قال التحقيق: إن ’’التدخلَ الأمريكي السعودي الإماراتي المباشر في الحرب على اليمن ودور إيران الضئيل جِـدًّا فيها يجعلُ من هذه العبارات قصةً متعجرفةً لا أَسَاسَ لها من الصحة، حيث تتواجدُ القوات السعودية الإماراتية بشكل كبير في اليمن، في حين لم يثبت التحالفُ أيَّ وجود مباشر لإيران في اليمن‘‘، مضيفاً ’’مع وجود هذه المعطيات تعمدت وسائل الإعلام الألمانية الرسمية التغطية على حقيقة ما يجري في اليمن”.

وتابع التحقيق ’’الآن نصل إلى نقطة استخدام مصطلح النزاع الديني بين السُّنة والشيعة، حيث تجد أن التقارير الإخبارية تقلّل من شأن الصراع على كونه مهماً، وفي الواقع فإن الادعاءَ بأن حربَ اليمن ترجعُ إلى التنافس بين السُّنة والشيعة هو ادعاءٌ في غير محله، حيث ينتمي الحوثيون، الذين يشار إليهم ببساطة في جميع وسائل الإعلام باسم الشيعة، إلى تيار الزيديين المتواجِد في اليمن منذ أكثر من 1000 عام كما ذكرت آنفاً، وقد قدموا من الجزء الشمالي من اليمن‘‘.

واختتم التحقيق التعليقَ على هذه العبارة بالقول: ’’الحاسم في الموضوع أن التطور الراديكالي لحركة أنصار الله ليس له علاقة بالمذاهب وإنما جاء بسبب التهميش الذي عانى منه الزيود في الماضي لأكثرَ من 1000 عام! وارتبط بذلك الارتباط القوي بالتبعية للمملكة العربية السعودية‘‘.

كما تساءل التحقيق: لماذا اختلفت التغطيةُ الإخبارية في وسائل الإعلام الرسمية الألمانية عن مرحلة ما قبل 2014، التي كانت تصفُ حكومة الفارّ هادي حينها بـ”غير الفعالة وبالموجهة من الرياض”، مؤكّـدةً أن تلك الوسائل كانت باستمرار تشكّك في شرعية الفارّ هادي حينها.

واختتمت ” كورنيليا ماير” التحقيقَ الذي نشرته مجلة “تيليبوليس” بالقول: ’’ما تم استنتاجُه هو أن حربَ اليمن تمثل استثناءً في التغطية الإعلامية باللغة الألمانية ولو تم تناولها فيكون باقتضابٍ في الأخبار مع أن الجمهورَ بحاجة إلى الاطلاع عليها عبر الأخبار؛ لأَنَّه من السهل بالنسبة للجمهور أن يتابعَ الأخبارَ على خلاف متابعة التسجيلات ومقاطع الفيديو، ولكن هذا لا يعد سبباً لنقل التحريفات المشوّهة لهم‘‘ في إشارة إلى وجود أسبابٍ خفيةٍ وراء تعمد الحكومة الألمانية تناوُلَ الأخبار حول الحرب على اليمن بهذا الأسلوب التضليلي.
ا_______________________
تقرير – نوح جلاس – المسيرة