المشهد اليمني الأول/

من بردون إلى ذمار إلى صنعاء إلى عروبة أبو تمام فالعالمية بالرجل الذي تجاوز الإعاقة والأمم المتحدة بالتكريم، أصيب بمرض الجدري في السادسة من العمر فكان الشقاء، شقاء العمى والدماء فالقدم تصطدم بالأحجار والرأس تصطدم بالجدران والدماء تسيل من الرأس والأقدام، كان محامي المطلقات فانتزع حقوق أضعف الخلق من أقوى الرجال ثم أستاذ الأدب واللغة وإعلامي في إذاعة صنعاء الإمام ثم الجمهورية فشاعرٌ رثى جمهورية الإعتدال بالرجال الذين ناموا فاستفاقوا بجمهورية الحمدي، ومجلة الجيش منبرٌ للمفكر البردوني لم يدم طويلاً بالولوج لجمهورية الوصاية السعودية وزمن كامب ديفيد بالاجتماع الطارئ للحشرات وصنعاء مليحة عاشقاها السل والجرب وبالمستعمر السري بالغزو الاستهلاكي الرأسمالي.

كان مثقفاً وكاتباً بالسلبيات والإيجابيات جمهورية وملكية وشرق وغرب، إنتقد الإمام أحمد بعد ثورة 48 الدستورية وقوله “هلّا رحمت السيف والسيافَ”، وبعد ردح من الزمن البردوني وبالدليل ثورة 48 كانت إنقلاباً للإخوان المسلمين، وبطانة الإمام توصي باعتقاله، والإمام يقول كلمته الشهيرة “أريد أن يقال أن فلان نبغ في عهدي فلم أترك محسنة إلا هو”، وفي مكان آخر قال الإمام لدينا أصحاب بالمئات من رجال الشعر والأدب والسياسة ولكني أجد الجميع يطالبون بالهبات والمزايا ولكن هذا الرجل لم تصلني منه ورقة واحدة، وعندما توفيت والدة البردوني قام برثائها شعراً والإمام أحمد يرسل وكيله للتعزية مع 90 ريال، وحينها قال الإمام أحمد من لايأتي إلينا نذهب إليه.

وكذلك الإعلام العربي حضر إلى دار البردوني وأخذ منه مالم يسطره في المؤلفات شعراً وأدباً وفكراً، فالوحدة اليمنية الخلاقة عند الفقيد هي إجتماع إبداع الجنوب مع إبداع الشمال، وليس كما قال شيخ الإخوان المسلمين بعودة الفرع إلى الأصل، وبصيغة أخرى متدنية “حبَّلناها وستلد”.

وفي مايو 1990م تحققت الوحدة بأسس الديمقراطية والتعددية الحزبية، والمفكر البردوني يقول هذا لاينسجم مع مبدأ جماعة الإخوان المسلمين التي تنكمش بالتعددية الحزبية والديمقراطية وتتمدد بالصراع والحروب الأهلية فتظهر أكثر من حجمها، والميدان اليمني اليوم يثبت ذلك.

ولو كانت الظروف السياسية مناسبة لجاد الفقيد أكثر مما كان، فمؤلفات البردوني على القائمة السوداء للسلطة وبنفس الوقت مؤلفاته أكثر إنتشاراً ومبيعاً، فالمناهج الدراسية الحكومية والإعلام الجمهوري يصف ماحدث في 1948م و 1955م بالثورات الوطنية، ومؤلفات الفقيد تصفها بالإنقلاب بالإخوان المسلمين في الأولى والإنقلاب بالمخابرات الأمريكية في الثانية، وكل وسائل الإعلام الداخلي والخارجي تصف أحداث 13 يناير 1986م بقتال الرفاق مع الرفاق على السلطة، وحدة فقط البردوني بالتوصيف بأنها مؤامرة خليجية لتصفية النظام الوطني في الجنوب.

والبعض كان يرى في الخليج خيراً، أما الفقيد كان يرى بأن الخليج لايريد خيراً لليمن وأهله، ومايحدث اليوم في اليمن يثبت ما كان يراه البصير المبصر، اليوم التحالف الخليجي لايهدف لإغتيال الجمهورية اليمنية وتقسيمها فقط بل يهدف لإغتيال الهوية اليمنية التاريخية بشرعية هادي والإخوان المسلمين ومن دار في فلكهم.

الخلود للفقيد عبدالله البردوني في الذكرى العشرين لوفاته 30 أغسطس 2019م، أنصفه خصومه وحتى أعداءه، وتلك هي الفاجعة والمصيبة في رموزنا الوطنية والقومية والإسلام الثوري المجاهد، ينصفها الأعداء والخصوم وينكرها ويجحدها بل قتلها ويقتلها أبناء جلدتنا شرعية الحاضر والماضي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جميل أنعم العبسي