المشهد اليمني الأول/

متحاملاً على جراحه في مفتتح خطابه، أمس، حول مستجدات الاشتباك والأحداث، ناهضاً بجراح الشعب، ينعي سيد الثورة استشهاد شقيقه بوصفه واحداً بين عشرات آلاف الشهداء من أبناء شعبنا الشريف المواجه لتحالف العدوان الكوني.

من “مران 2004” وحتى هذه اللحظة المتقدمة من العام الخامس صمود وانتصار في وجه آلة الاستكبار الكوني، لم يكن هذا القائد الفتي يخوض معركة شخصية ذات صلة بمجد عائلي أو جهوي يرمي لاكتسابه، وإنما كان ولا يزال يخوض معركة الحق في مقابل الباطل ومعركة الحرية في مقابل جنازير التعبيد والاسترقاق، ومعركة الكرامة الإنسانية في مقابل بلدوزرات الدهس والقهر، ومعركة المستضعفين كل المستضعفين في مقابل قوى الاستكبار.

كان هذا القائد ذو الزهد الثوري النادر والتكوين النفسي السوي المتسامي على كل صغائر النفوس، كان ولا يزال يخوض معركة رسالية نبوية تختزل في حوافزها وأبعادها أماني وأحلام وآمال البشرية المقهورة السليبة، وتطلعاتها للانعتاق التام من أكبال وأرسان الهيمنة والعيش بالتبعية والسّخرة على أرض الله التي باتت ـ بنكوص الأمة عن النهوض برسالة الرحمة ـ إقطاعية يقرفص فيها الطواغيت والمستكبرون على أضلاع الشعوب والأمم، مشيعين بتصفيق وتحميد وتمجيد جوقات النفاق النخبوي وماسحي الأجواخ وذهنيات الحجابة والتهريج الثقافي والفكري.

كانت غاية الحروب الست على صعدة المسيرة القرآنية؛ إخماد الروح الإنسانية الرسالية، قبل أن تُشيْع الحياة في الجسد اليماني الأنصاري الساكن البارد والموسد حينها بلا حراك إيجابي في مرمى أعاصير المجريات والمؤامرات، وقد دبت فيه الحياة واتقدت مشكاة الروح الرسالية في أعماقه الآهلة بإرادة انعتاق لا ضفاف لها…
وأما غاية تحالف العدوان الأمريكي الصهيوني والعرباني الكوني اليوم فهي ـ غير بعيدة عنها بالأمس ـ إخماد الروح الرسالية اليمانية قبل أن تستنهض جسد الأمة وأشواق الانعتاق فيها من “مران” إلى “طنجة” و”كوالالمبور” إلى تخوم الخارطة العالمية الخانعة وبامتداد سماء تتململ تحتها عيون بشرية مستضعفة تواقة لغيث خلاص وشفاه مقهورة تبتهل “ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا”.

في الأثناء، فإن معراج الروح الرسالية الإنسانية الربانية الحرة التي تتوهج وضاءة من جبين سيد الثورة القائد عبدالملك بدرالدين، امتداداً لجبين الشهيد المؤسس السيد حسين بزوغاً من مشرق الدعوة المحمدية والنهج العلوي الحسيني الثوري.. هذا المعراج كان ولا يزال ترقياً مُكلفاً في فضاء رسالي عابر للطوائف والجهويات وعامر بالتحديات والأخطار وغير معبَّد الدروب… كان ترقياً محتذياً صراط إيثار مصالح الأمة على نزوات وأهواء النفس، مهتدياً بمنهاج قرآني يفلق اليوم ظلمة العدوان الكوني والحصار التام إصباحاً ترتعد له مفاصل طغاة البترودولار، وطائرات مسيَّرة تعبر إلى أهدافها النائية في تخوم المملكة الجنوب شرقية صافاتٍ ما يمسكهن إلا الرحمن الذي بيده تبطش وبعنايته تعبر أرضاً وسماءً مدروزتين بأفطن الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي الكونية ذات سقف الاعتراض الدقيق الأعلى عالمياً بالمطلق… طائرات مسيرة تعبر مثنى وثلاث ورباع وتقصف وتصيب وتؤلم وتنشب مخالب ردعها في أسمن ضروع بقرة أمريكا الحلوب، فتسفح كل القيمة الوجودية لمملكة طفرت من حيضة نفط وتراهن في قوتها واستمرارها على ريع حليب آيل للنضوب بوتيرة متسارعة تحت حمم استراتيجية الرد والردع اليمني، ولن يبقى من مجسَّم البقرة المملكة غداً سوى رطل روث وفرث إذا لم توقف عدوانها عند هذه الحافة من طور “توازن الردع”.

هذه آيات الانبعاث اليماني الأنصاري ومعجزاته في كنف المسيرة القرآنية المنسجمة مع الحقائق الموضوعية المستنهضة لمكامن الأهلية الذاتية لشعب كان من “أولي القوة والبأس الشديد” فبات بأسه وقوته مشفوعين بحصرية الإيمان والحكمة، وقد آن أوانُ أن تلتئم أعمدة وجوده الكريم المستنير في بناء رسالي سامق يكون مناراً للسارين إلى دروب الحرية والاستقلال بامتداد المعمورة لا في جزيرة العرب فحسب.

عدن.. الرؤية النافذة تحاكم العمى

قال سيد الثورة في خطاب سابق له معرِّضاً بالغباء السياسي للعملاء وموجهاً سهام النَّقد النافذة في نحر أكذوبة الشرعية: “هادي ليس ليلى كما يتوهم في نفسه، وتحالف العدوان ليس قيس ليهيم في حبه حدَّ الجنون…”، واستمراراً لمنطق مستنير لم يزغ عن صواب الاستشراف لا قبل أحداث عدن الأخيرة ولا بعدها، يُعيد سيد الثورة تأكيد ما أكده سلفاً على مسامع جوقة العمالة والعمى والارتزاق والانسلاخ عن الهوية اليمنية الوطنية والإيمانية… الجوقة التي زعمت بالأمس في كذبٍ فاضح على شعبها أن عدوان التحالف على اليمن هو مصلحة لليمن وشعبه، لتنوح اليوم على الشاشات وتندب عقب انقشاع الغبش لعيان العامة، واصفة التحالف بالاحتلال.

يقول سيد الثورة: “لقد تقلدت هذه الأدوات العار الأبدي عن كل دمار وحصار وتجويع وقتل ومعاناة نالت شعبنا من عدوان باسم أكذوبة الشرعية…”، إن “الحقد والطمع والإفلاس والغباء السياسي والانسلاخ عن الهوية لدى بعض المكونات المحلية هو ما جعلها قفازاً للعدوان ومشروعه التمزيقي”. ما يجري هو أن هذه المكونات العميلة والمخدوعين بها كانت تتوقع مكسباً خاصاً ووزناً بالرهان على التحالف، وهي لا تندب اليوم لسقوط “الشرعية” التي كانت ساقطة من قبل ومن بعد وبلا حضور ولا صلاحيات في ما يسمى العاصمة المؤقتة، وإنما هي تندب مصالحها الخاصة التي علقتها على شماعة هذه الأكذوبة، معتقدة بسذاجة مفرطة أن دول العدوان تنفق وتخسر وتحشد وتدفع كل ما تدفعه كرمى عيونها.

إن ما يسمى “شرعية” ساقطة بـ”انقلاب انتقالي” هو تناوب مطايا وأدوات تأتمر بأوامر مشغلين خارجيين يجمعهم تحالف صفق له كلاهما، وعليه فإن نصيحة سيد الثورة في هذا السياق لجوقة العملاء الأولى هي أن تراجع حساباتها ونفسها بناءً على انفضاح أكاذيبها واكتوائها بنارها، ولجوقة العملاء الأخرى ينصح السيد ممثلها “الانتقالي” الذي هو “غير الحراك” بألَّا يفرح بما يعتقد أنه مكسب قد حازه، فالكاسب بالتبعية للاحتلال هو خاسر حتماً ولا يحق له أن يباهي، فلن يدوم كسب بالاتكاء على احتلال زائل ولا ريب طال الأمد أو قصر.

إن المصلحة الحقيقية والكسب الحقيقي -يقرر سيد الثورة- هي في الاستقلال والعيش المشترك والخلاص من كل تبعية للخارج، وهذا هو صوت الجغرافيا الحرة التي قاومت مشروع العدوان وآلته العسكرية، وهو الصوت الصائب بلا جدال وبشهادة كل المعطيات المادية وتداعيات الأحداث على أرض الواقع بعد خمسة أعوام.

إنه صوت القوة والكرامة والإرادة والوحدة ولمّ الشمل والعيش المشترك، وأما صوت عملاء الجغرافيا المحتلة فبالنقيض لكل ذلك.. صوت التمزيق والتهجير والقتل والتمييز تبعاً للهوية الجهوية والمذهبية بوصفه أولاً وأخيراً صوت الاحتلال الأجنبي صاحب الأمر والنهي في الجغرافيا المحتلة.

إن الباب لا يزال مفتوحاً للمخدوعين، والوطن يتسع لهم؛ لكن “على قاعدة الشراكة والتعاون البنَّاء وإيثار المصالح العامة على كل مصلحة شخصية” يؤكد سيد الثورة، وهي القاعدة الصائبة التي تعاطى وفقها السيد القائد مع الفرقاء عملياً عقب ثورة 21 أيلول المجيدة، وليست دعوته هذه تجريداً بقصد المناظرة مع خصوم يجهلون صدقية القائد وحركة أنصار الله.

إيران – اليمن.. المسافة والمبدأ

لم تغضب دول محور التبعية الأمريكية وأدواتها إثر الزيارة الأخيرة والمميزة التي قام بها وفد أنصار الله إلى طهران، إلَّا لأن يمن ثورة أيلول الجديدة والمجيدة قد نجحت في كسر سياج العزلة الإقليمية التي ضربها العدوان حول اليمن كأحد أهم الأسلحة لتركيع شعبنا وثورته، عدا ذلك فإن كل دعاوى هذا الغضب “اتهام الأحرار بالتبعية الخارجية” هي نوافل سقطت تباعاً بالبراهين خلال خمسة أعوام من العدوان ولم يعد بوسع التحالف الأمريكي تثبيط الوجدان الجمعي لشعبنا الحر بـ”رُهاب إيران”، وإسقاط حالة الخنوع والتبعية المطلقة التي يعيشها خليط العمالة والارتزاق في علاقته بدول التحالف، على علاقة القوى الحرة اليمنية مع إيران، هو ـ الإسقاط ـ ضرب من الإسفاف وتردّي المنطق، فالأَوْلى بهذا الخليط أن يتطهر إن أمكنه بمياه المحيطات من مستنقع تبعية مهينة يزكم فواحها الأنوف، قبل أن يفكر في وصم الأحرار بعاهاته.

يقرر سيد الثورة في هذا السياق المحددات الناظمة لعلاقة اليمن بالدول العربية والإسلامية لا بإيران فحسب… محددات تقوم على مبدأ الندية وحسن الجوار وتبادل المصالح المشروعة. وفي حالة إيران، فإن مجريات العدوان على اليمن وموقفها منه تضع العلاقة معها في موقع متقدم، فقد ناهضت هذا العدوان رسمياً وبوضوح وتعاطفت مع مظلومية شعبنا، في الوقت الذي انخرطت خلاله دول عدة في العدوان أو خرِست ولم تجرؤ على اتخاذ موقف مناهض له، لأنها دول تابعة مسلوبة الإرادة والقرار.

قبل ثورة 21 أيلول، كان اليمن قد وقع 70 اتفاقية تعاون مشترك مع إيران خلال زيارات رسمية رفيعة متبادلة. يقول سيد الثورة ويعقب: “لكن هذه الاتفاقيات التي كان تفعيلها يصب في مصلحة البلدين، قد جرى تجميدها تلافياً لغضب السعودية وأمريكا ودول أخرى معادية لإيران”…
إنه زمن الأنداد –إذن- واليمن الذي بات نداً وازناً بات يمسك اليوم بزمام قراره، وكل علاقاته الخارجية التي شرع يبنيها هي أرصدة حتمية في حساب استقلاله لا تبعية فيها لعدو ولا لصديق ولا وصاية فيها من أحد على الشعب الذي قدم ويقدم أثماناً باهظة غير مسبوقة على مذبح حريته، فهو عصي على الاستلاب وجدير بمد جسور التعاون مع كل الأحرار في العالم.. والذلة لحظائر الانبطاح والخزي الأبدي. هكذا تكلم سيد الثورة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
صلاح الدكاك