المشهد اليمني الأول/

بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 70 مليون إنسان، بدأت الدول والقوى الكبرى تحاول إيجاد صيغة حوارية تمكّنها من تجنّب كل هذه الويلات والخسائر، وبدأت العلاقات الدولية تأخذ منحى جديداً بحيث تحوّل مفهوم العلاقة بين دولة ودولة أخرى، من التحالف لأجل الحرب، لزيادة مساحتيهما، بغية تحسين تصنيفهما الجيوسياسي، وذلك بدبلوماسية سرية غير معلنة، إلى دبلوماسية علنية واضحة، تزايد دورها، إلى حد تشكيل ما يسمى عصبة الأمم كمنظمة دولية.

وتحولت هذه العصبة إلى ما يعرف بالأمم المتحدة (UN) في فيما بعد عام 1945، كمنظمة دولية أهدافها المعلنة هي التعاون في مجالات القانون الدولي، الأمن الدولي، التنمية الاقتصادية، حقوق الإنسان، و تحقيق السلام العالمي، في محاولة من قبل أعضاء المجتمع الدولي، إضفاء نوعاً من التنظيم وإعطاء الأولوية للطرق السلمية على الحرب، التي لم تُبقِ طرفاً إلا وتذوّق ويلاتها، وخسائرها الفادحة.

تؤكّد وثائق الأمم المتحدة أنّ لها هدفين رئيسيين هما السلام والكرامة الإنسانية، فإذا اندلع قتالٌ بين قطرين أو أكثر في أي مكان، يجوز أن يُطلَب من الأمم المتحدة التدخل لمحاولة وقفه، وبعد توقّف القتال يجوز للأمم المتحدة القيام بوضع التدابير اللازمة لمنع تكراره مرة أخرى، ولكن الأمم المتحدة تحاول قبل كلّ شيء معالجة المشاكل والنزاعات قبل أن تتفاقم وتؤدي إلى القتال، ومن أهداف الأمم المتحدة الأساسية تحديد أسباب الحرب لإيجاد الوسائل الكفيلة بإزالتها.

وقد لقيت الأمم المتحدة النجاح والفشل في أداء مهمتها، فقد تمكّنت من السيطرة على بعض النزاعات وحالت دون تطورها إلى حروب كبرى، كما قامت بمعاونة الشعوب في كثير من أنحاء العالم لنيل استقلالها وتحسين ظروف حياتها، إلاّ أنّ الخلاف بين الدول الأعضاء منع المنظمة من اتخاذ الإجراءات الكاملة والفعّالة للمحافظة على السلم، كما أدّت الأزمات المالية الحادة إلى إضعافها.
تتكون الأمم المتحدة من عدّة هيئات أهمّها الأمانة العامة، ومجلس الأمن، والجمعية العمومية، ومجلس حقوق الإنسان، كما ترتبط العديد من الهيئات والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية بالأمم المتحدة. ويتولى مجلس الأمن متابعة القضايا الأمنية والأزمات الجيوسياسية الملحّة، وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، يوافق جميع أعضاء الأمم المتحدة على قبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها، والمجلس هو الجهاز الوحيد التابع للأمم المتحدة الذي يتمتع بسلطة اتخاذ قرارات تكون الدول ملزمة بتنفيذها بموجب الميثاق، أما الأجهزة الأخرى فإنها تقدم التوصيات إلى الحكومات.

يتألف مجلس الأمن من خمس دول أعضاء دائمي العضوية، وأعضاء آخرين منتخبين، ويتمتع الأعضاء الدائمي العضوية بحق “الفيتو” أو “حق النقض” وهو حق الاعتراض على أي قرار يُقدّم لمجلس الأمن دون إبداء أسباب، ويتمتّع به الأعضاء الخمس الدائمي العضوية في مجلس الأمن، وهم روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، علمًا بأنّه لم يرد لفظ “فيتو” في ميثاق الأمم المتحدة، بل ورد لفظ “حق الاعتراض” وهو في واقع الأمر “حق إجهاض” للقرار وليس مجرد اعتراض، إذ يكفي اعتراض أي من تلك الدول الخمس ليُرفض القرار ولا يُمرّر نهائياً، حتى وإن كان مقبولاً للدول الأربعة عشر الأخرى، وهذا إجحاف وظلم بحق دول العالم وشعوبها.

يبدو أن هذا النظام في التصويت كان قد اعتُمِد في مجلس الأمن لتشجيع بعض الدول على المشاركة في الأمم المتحدة عند تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية، بعد أن بدا لها أنها قد تخسر بعض الامتيازات في حال شاركت في منظمة تحترم الديمقراطية، كما ساعد حق النقض “الفيتو” الولايات المتحدة على تقديم أفضل دعم سياسي للكيان الإسرائيلي،  ذلك بإفشال صدور أي قرار من مجلس الأمن يُلزم “إسرائيل” بضرورة وقف احتلال أراضي فلسطين، ووقف أعمال العنف ضد الشعب الفلسطيني، وإنهاء الانتهاكات الكبيرة لحقوق الإنسان، أو إفشال أي قرار يدين “سرائيل” باستخدام القوة المفرطة كما حصل في حرب لبنان علم 20016، والحرب على قطاع غزة في نهاية عام 2008، حيث أدى ذلك إلى الشكّ بمصداقية الأمم المتحدة بسبب “الفيتو” الأمريكي، ودفع الدول الأخرى إلى تشبيك مصالحها مع إحدى الدول الخمس الدائمة العضوية، لمحاولة تأمين غطاء داخل مجلس الأمن.

ويُعتبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الجهاز الدولي الأكثر قدرة على إنهاء الحروب والنزاعات، وضبط الدول في العالم لمنعها من استخدام العنف كوسيلة لحل مشاكلها، والحرص على عدم انتهاك حقوق الإنسان، بحيث يتعامل مجلس الأمن مع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تقع غالبًا في مناطق النزاعات، ويعطي ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن صلاحيات التحقيق في المسائل وإرسال بعثات وتعيين مبعوثين خاصين، والطلب إلى الأمين العام استخدام مساعيه الحميدة.

ولمجلس الأمن صلاحيات إصدار توجيهات بوقف  إطلاق النار وإرسال مراقبين عسكريين أو قوة لحفظ السلام، فإذا لم تفد هذه الإجراءات، فللمجلس الحق في استخدام تدابير تنفيذية مثل العقوبات الاقتصادية وحظر الأسلحة والعقوبات المالية وفرض قيود على السفر وقطع العلاقات الدبلوماسية والحصار، وربما يصل الأمر إلى العمل العسكري الجماعي.

وبذلك يكون حق النقض “الفيتو” للدول الخمس الدائمة العضوية، الأثر المباشر كمبرّر قانوني لمنع مجلس الأمن من اتخاذ أي قرار اتجاه أزمة معينة، من قبل إحدى الدول الدائمة العضوية، وبالتالي تتفاقم الأزمة لتتحول إلى أزمة جيوسياسية كبيرة، تنخرط فيها دول الجوار والدول الكبرى ذات المصالح، وتُنتهك فيها حقوق الإنسان دون قدرة الأمم المتحدة على فعل أي شيء جدي وملزم.

أما الأثر غير المباشر فهو تجرء أحد الدول الخمس أو أكثر على افتعال أزمة جيوسياسية، أو الدخول في حرب مفتوحة، دون حتى أدنى مراعاة لمجلس الأمن، بسبب قدرتها على إجهاض أي قرار قد يصدر ضدها، وقد شكلت الحرب الأمريكية بمشاركة بريطانيا وفرنسا على العراق في عام 2003 كحرب خارج إطار الأمم المتحدة، أبرز مثال، والتي أدت إلى احتلال وتدمير العراق، ولاتزال القوات الأمريكية موجودة إلى يومنا هذا داخل العراق، كإحدى الآثار غير المباشرة لوجود حق النقض “الفيتو”، في مجلس الأمن، والتي حملت معها انتهاكات تكاد لاتعد ولاتحصى، من قبل القوات الأمريكية لحقوق الإنسان، كان أشهرها التسريبات التي ظهرت للعلن لممارسات الأمريكيين في سجن أبو غريب العراقي، إضافة إلى العديد من جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الجنود الأمريكيون في هذه الحرب.

وقد استخدم حق النقض الفيتو منذ تأسيس الأمم المتحدة 257 مرة، موزعة بين الاتحاد السوفيتي ووريثته روسيا ب 123مرة، والولايات المتحدة الأمريكية ب76 مرة، وبريطانيا 32 مرة، وفرنسا ب18 مرة، والصين 8 مرات.

وقد سبب أيضاً حق النقد الفيتو تأزم الوضع الجيوسياسي في المنطقة العربية بشكل واضح، منذ 2011 إلى يومنا الحالي، وحال التناقض في مصالح الدول دائمة العضوية دون أي حلّ حقيقي للأزمات الجيوسياسية التي عصفت بالمنطقة العربية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الناجمة عنها،  بالتالي حق النقض الفيتو والذي وضع كمحفز للدول الكبرى للتنازل عن جزء من سيادتها لصالح المنظمة الأممية الديمقراطية، أصبح اليوم يعيق عمل المنظمة وتحقيقها لأهدافها على المستوى الجيوسياسي، في حالة صراع المصالح بين الدول الدائمة العضوية، ويؤدي إلى استمرار الانتهاكات في حقوق الأنسان كأثر ناتج عن استمرار الأزمات الجيوسياسية، ومن جهة أخرى يتيح للدول دائمة العضوية إمكانية الخروج الكلي عن المواثيق والمعاهدات الدولية دون ترتب أي أثر عليها، وعندما يفقد القانون قدرته الإلزامية القسرية أو الإجبارية، يصبح بالضرورة غير نافذ عندما يتعارض مع مصالح الدولة أو الجهة الواقعة تحت القانون، أي أنّ “الفيتو” يعمل على تحييد القدرة الإلزامية للمواثيق والأعراف الدولية الإنسانية عندما ترتبط هذه الانتهاكات بمصالح جيوسياسية لإحدى الدول أو أكثر من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.

ويدفع بدوره الدول الصغيرة والقوى الأقليمية إلى الاصطفاف خلف إحدى الدول دائمية العضوية في مجلس الأمن، لحماية مصالحها ووجودها من الدول الأخرى، بالتالي فأن أكبر آثار حق النقض الفيتو يكمن في تعميق الانقسام الدولي، بحيث يتيح للدول إعادة ترتيب اصطفافاتها ضمن دولة تمتلك الفيتو، لينتهي الحال في النهاية بخريطة اصطفافات دولية جديدة قادرة على التفلت من قرارات الأمم المتحدة، والاستمرار في الصراع الدائم فيما بينها، في مسار  سيلغي دور الأمم المتحدة بشكل شبه كامل مستقبلاً، ويجعلها أقرب إلى صالون دولي وصندوق خيري لجمع التبرعات من الدول الأعضاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
صلاح النشواتي

مدير مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية