المشهد اليمني الأول/

بالقدر الذي تتعدد به شواهد الانسحاب الأمريكي المشروط من المنطقة، تتعدد شواهد صواب خيار المقاومة، وبالقدر الذي تتضح به طبيعة العقلية البراغماتية الأمريكية والأوروبية، تتكشف طبيعة عقليات عربية ولا سيما سعودية، حيث يبدو الانسحاب الأمريكي من المنطقة مشروطًا بأمن العدو الاسرائيلي وبتأمين مكتسبات مجمع الصناعات العسكرية الأمريكي. أما عن شواهد الانسحاب فهي تبدو كما يلي:

1/ لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، والذي أفصح فيه ترامب بأنه يريد من باكستان خروجًا آمنًا من أفغانستان، وأنه لا يريد قتل ملايين الأشخاص.

2/ اعلان ترامب الصريح بأنه لن يقوم بتأمين عبور النفط للآخرين، وهو انسحاب أمريكي من المواجهة، يؤكده مسؤولين أمريكيين، بأنه يجب التفريق بين مقترح أمريكا بتدشين تحالف بحري وبين حملة ممارسة “أقصى الضغوط” التي يتبعها ترامب مع إيران.

3/ التركيز الأمريكي على الصين وصعودها المهدد للهيمنة الأمريكية، حيث بدأ الأميركيون يوقنون أن الصين في طريقها لاحتلال مفاصل القوة الدولية الرئيسية، ولا سيما الاقتصادية والتكنولوجية.

أما عن الشروط الأمريكية فهي تبدو باختصار كما يلي:

أولا: تأمين العدو الاسرائيلي عبر حصار المقاومة والتضييق عليها.

ثانيًا: الاحتفاظ بقدر من الفوضى يسمح بتأمين الابتزاز وبيع السلاح وتوفير الوظائف للأمريكيين.

ثالثًا: زعزعة أمن النفط وتصديره (على عكس ما يروج من تأمين الملاحة)، بهدف السيطرة على أسواق النفط بعد الوصول لقمة منتجي النفط بالعالم.

أي أن أمريكا تتحرك بقدر ما يحفظ سلامتها البنيوية القائمة على السيطرة على الاسواق لحفظ بنيتها الخارجية، وتأمين (اسرائيل) لحفظ بنيتها الداخلية.

وبخصوص التمايز بين العقلية الراغماتية للأمريكيين والأوروبيين من جهة، وعقليات عربية وتحديدًا سعودية من جهة أخرى، يمكن الاشارة الى ما يلي:

أولا: بعد أن اكتشفت أمريكا صعوبة المواجهة مع ايران والمقاومة، فإنها لم تكابر وتتورط في حرب لا مكاسب فيها، وبالتالي فهي تلعب بأوراق أخرى بديلة عبر الحصار ومحاولة توسيعه، وعبر تدشين تحالفات لا تهدف للحرب، وانما تهدف للعزل وبالأحرى فك العزلة الأمريكية الدبلوماسية بعد الانسحاب المعيب من اتفاق دولي بحجم الاتفاق النووي.

ثانيًا: لا تقل العقليات الأوروبية براغماتية عن أمريكا، فرغم التبعية لوشنطن، هناك خطوط حمراء لا يتخطاها الأوروبيون، وهي الخطوط التي تورطهم في نزاع لا ناقة لهم ولا جمل به، مثل المواجهة مع ايران.

ثالثًا: بخصوص بعض العقليات العربية، فقد أكدت الكويت وجود تنسيق “خليجي – عربي” لتأمين سلامة حركة السفن في مياه الخليج. أما العقلية السعودية، فهي لا تزال تشن حربًا عبثية باليمن، ولا زالت تصريحاتها وممارساتها تعكس أخذًا للعزة بالإثم، وانفصالًا تامًا عن مجريات الأحداث وتوازنات القوى ومجريات الصراع.

نعم، أثبتت الأحداث صحة خيار المقاومة، فلولا هذا الخيار لما برزت تناقضات أوروبا وأمريكا، ولولاه لما تفتقت العقلية البراغماتية الأمريكية عن الانسحاب من المواجهة ومن المنطقة، ولولاه لكانت السيطرة الأمريكية الصهيونية الأوروبية تامة على المنطقة بما فيها دول عربية وخاصة خليجية، لم تستوعب بعد أن المقاومة قامت بحمايتها شخصيا!
ـــــــــــــــــــــ
إيهاب شوقي