المشهد اليمني الأول/

لقد تسبّبت رسائل البريد الإلكتروني التي هاجم فيها السفير البريطاني لدى أمريكا “كيم داروك” الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، بتوتر العلاقات بين لندن و واشنطن، وهذه القضية أدّت في النهاية إلى استقالة “داروك”.

يذكر أن العلاقات بين البلدين خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، كانت متينة وقوية وكانت واشنطن تعتبر لندن حليفها الموثوق به على ضفاف الجبهة الأطلسية، لكن فضيحة رسائل البريد الإلكترونية التي تم الكشف عنها قبل عدة أيام أدّت إلى توتر العلاقات بين الجانبين ووصلت إلى درجة أن الحكومة الأمريكية ألغت فجأة محادثات تجارية كان من المقرر أن تُعقد بين واشنطن ولندن خلال الأيام القادمة. 

وحول هذا السياق، كشفت العديد من المصادر الإخبارية بأن السفير البريطاني، وصف الرئيس الأمريكي بأنه شخص مريض وغير مستقر وغير كفؤ لرئاسة أمريكا، ولفتت تلك المصادر بأن الرئيس “ترامب” قال في آخر تغريداته يوم الثلاثاء الماضي: “السفير السيئ الذي وضعته بريطانيا في أمريكا ليس شخصاً نحن متحمسون للعمل معه، إنه شخص غبي جداً، يجب عليه التحدث مع حكومته بشأن فشلهم في مفاوضات “بريكست”، وليس التفكير بانتقاداتي لهم”.

وفي هذا السياق، قال السفير البريطاني إنه من المستحيل العمل في الوضع الحالي، وذلك بعد أن قام الرئيس الأمريكي بوصفه أنه شخص غبى جداً وغريب الأطوار.

الحكومة البريطانية تحت سيطرة “ترامب”

لقد كشفت استقالة السفير البريطاني لدى أمريكا “كيم داروك”، أن الحكومة البريطانية تعيش في وقتنا الحالي تحت سيطرة قادة البيت الأبيض وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أكثر من أي وقت مضى. 

وبالإضافة إلى استقالة السفير البريطاني لدى أمريكا قبل عدة أيام، فإن هناك الكثير من الشواهد التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن الرئيس الأمريكي “ترامب” هو الذي يدير الشؤون داخل مجلس الوزراء البريطاني، وتتمثل تلك الشواهد في إرسال لندن قوات عسكرية إلى سوريا، واحتجاز ناقلة النفط الإيرانية في مضيق جبل طارق، ومشاركة الحكومة البريطانية في التحالف العسكري الأمريكي لحماية سلامة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب.

محاولة “هانت” و”جونسون” للصيد في الماء العكر

لقد أدّت فضيحة رسائل البريد الالكتروني التي هاجم فيها سفير بريطانيا لدى أمريكا، الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى نشوب معركة بين “بوريس جونسون” ومنافسه “جريمي هانت” على منصب رئاسة مجلس الوزراء البريطاني، حيث كشفت العديد من المصادر الإخبارية بأن زعيم حزب العمال البريطاني “جيرمي كوربن” المرشح لرئاسة حكومة بلاده هاجم “بوريس جونسون” على خلفية استقالة السفير البريطاني في واشنطن.

وقال “كوربين” إنه إذا كان “جونسون” خلف استقالة سفير بريطاني بواشنطن “فإنه يتصرف كراع لصفقات ترامب”.

وأشار إلى أنه يبدو أن على “جونسون” أن يختار بين أن يقف في صف بلاده أو يقف بصف ترامب، ولكن “جونسون” الذي ربما يصبح رئيساً لوزراء بريطانيا هذا الشهر إذا اختاره المحافظون زعيماً للحزب، رفض دعم السفير “داروك”، خلال مناظرة تلفزيونية مساء يوم الثلاثاء الماضي.

ولفتت تلك المصادر إلى أن “جونسون” يساند بشدة بيع الأسلحة إلى السعودية كما أنه هو ومنافسه على منصب رئيس الحكومة بعد استقالة “تيريزا ماي” وزير الخارجية البريطاني الحالي “جيرمي هانت” متهمان بالدور المركزي في عملية التسليح التي تتلقاها الرياض. 

وأشارت تلك المصادر إلى أن “جيرمي هانت” عندما سُئل الأسبوع الماضي في مجلس زعامات حزب المحافظين قال: “إنه سعيد بأن يستفيد المصنّعون البريطانيون، لكن أحد الأشياء التي لن نفعلها هو تصدير الأسلحة إذا اعتقدنا أن هناك خطراً في إمكانية استخدامها بطريقة يمكن أن تنتهك القانون الإنساني الدولي”.

إذلال لندن يلفت انتباه الكثير من المنتقدين ويُضعِف حزب المحافظين

يمكن اعتبار استقالة السفيرة البريطانية لدى أمريكا، إذلالاً أمريكياً كبيراً للحكومة البريطانية المحافظة، والتي قد تؤدي على المدى الطويل إلى إضعاف حزب المحافظين البريطانيين، وذلك لأن لندن تتعرّض هذه الأيام لضغوطات عديدة من الرئيس “ترامب”، الذي سعى خلال الفترة الماضية إلى إهانة حلفاء أمريكا التقليديين، ما أجبر سفيرها على كتابة استقالته وحتى الاعتراف ضمنياً بقبول ضغوط واشنطن من أجل اتخاذ هذا القرار. وفي هذا الصدد، قال “سيمون ماكدونالد” رئيس السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية البريطانية: “إن الخدمة الدبلوماسية تقبل بكل أسف استقالة السفير البريطاني لدى أمريكا”.

وفي سياق متصل، أعربت “تيريزا ماي”، رئيسة الوزراء البريطانية أمام مجلس العموم، رداً على هذه الاستقالة، بالقول: ” نحن نشكر “داروك” على حياته التي قضاها في خدمة المصالح البريطانية”، مضيفةً: “نحن مدينون جداً لهذا الرجل، وآمل أن يتمتع البرلمان بالقيم والمبادئ، التي تمكّنه من الدفاع عن نفسه عند ممارسة بعض الأطراف الضغط عليه”.

وعلى عكس أعضاء حزب المحافظين، أعرب زعيم حزب العمال البريطاني المعارض “جيرمي كوربين” عن أسفه إزاء قرار السفير البريطاني بأمريكا الاستقالة على خلفيه التسريبات التي انتقد فيها الإدارة الأمريكية.

وقال “كوربين” إن التعليقات المتداولة بشأن السفير المستقيل “كيم داروك” خاطئة وغير عادلة وأنه قدم خدمة جيدة ومشرفة يجب تقديم الشكر له عليها. 

كما أعرب “كوربين” عن اعتقاده بضرورة أن يجمع البرلمان على الأسف تجاه شعور داروك بضرورة تقديم استقالته في هذا الوقت.