المشهد اليمني الأول/

يبدو أن بريطانيا تتجه بشكل منتظم نحو العودة إلى الاستبداد، بل بدأت تُظهر جميع الدلائل التي تشير إلى أنها دولة مارقة. والدولة المارقة اصطلاحاً هي «الأمة أو الدولة التي تخترق القانون الدولي وتشكل تهديداً لأمن الدول الأخرى» ومن الأمثلة على أن بريطانيا كذلك هي مشاركتها في العدوان على العراق وسورية وليبيا، وهناك أمثلة أخرى توضح مدى انتهاك بريطانيا للقوانين والمعايير الدولية.

أرخبيل شاغوس

في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، لجأت الحكومة البريطانية قسراً إلى إخلاء جزر شاغوس من سكانها الأصليين وهدم منازلهم لإفساح المجال لبناء قاعدة عسكرية أمريكية في دييغو غارسيا، أكبر الجزر هناك، ولتحقيق ذلك، أنذرت بريطانيا حكومة موريشيوس (التي تطالب بالسيادة على أرخبيل شاغوس) بالتخلي عن جزر شاغوس كشرط لاستقلالها.

وفي الآونة الأخيرة، وجدت محكمة العدل الدولية أن احتلال بريطانيا لجزر شاغوس كان غير قانوني بأغلبية 13 قاضياً إلى قاض واحد، ولكن بريطانيا رفضت هذا الحكم، فيما يمثل تصعيداً خطراً في رفض بريطانيا التعددية والقانون الدولي وتوجهها للانضمام إلى نموذج الاستثنائية الأمريكية الذي يقف خارج نطاق سيادة القانون الدولي، حيث شاركت بريطانيا، على سبيل المثال، في الحرب على العراق من دون تفويض من مجلس الأمن تحت ذريعة ضعيفة مفادها أنها «تتمتع بتفويض من مجلس الأمن على قرارات سابقة» أما بالنسبة لشاغوس، فبريطانيا الآن تنكر ببساطة سلطة محكمة العدل الدولية.. وهذا لم يسبق له مثيل، وفقاً للدبلوماسي البريطاني السابق كريغ موراي.

مبيعات الأسلحة وجرائم الحرب باليمن

تحظى مبيعات الأسلحة والذخائر البريطانية باهتمام واسع في وسائل الإعلام، حتى إن لجنة العلاقات الدولية في مجلس اللوردات أشارت إلى أنه من المحتمل جداً أن تكون الأسلحة التي تبيعها بريطانيا قد تسببت في خسائر كبيرة في صفوف المدنيين في مختلف البلدان التي تُرتكب فيها الحروب غير القانونية وأعمال الإبادة الجماعية وجرائم الحرب كاليمن.

«إسرائيل»

ثم هناك علاقة بريطانيا بـ«إسرائيل» التي تمر في فترة عصيبة بسبب السياسة الداخلية واتهامات بالعنصرية تدور حول الجرائم التي ترتكبها «إسرائيل» بحق الشعب الفلسطيني، وتشير التقارير إلى أن بنادق قنص بريطانية كانت تستخدم لقتل وجرح الآلاف من الفلسطينيين مؤخراً. ومرة أخرى، يتعارض دعم بريطانيا لحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها «إسرائيل» مع جميع المعايير الدولية وذلك وفقاً لمنظمة العفو الدولية التي أكدت في تقرير لها أن هذا يعد مثالاً مروعاً آخر على استخدام الجيش الإسرائيلي للقوة المفرطة والذخيرة الحيّة، مضيفة:هذا انتهاك للمعايير الدولية.. الجيش الإسرائيلي يرتكب عمليات قتل متعمدة تشكل جرائم حرب».

إضافة إلى ذلك، تسمح سياسة بريطانيا باستيراد البضائع المنتجة في المستوطنات غير القانونية، حتى إنها لا تحتفظ بسجل للواردات، علماً أن الاستحواذ على هذا الاتجار غير المشروع من قبل قوة الاحتلال يعد انتهاكاً للقانون الدولي، بما في ذلك قرار مجلس الأمن الصادر في كانون الأول 2016، والذي للمفارقة وافقت عليه بريطانيا، ويعيد القرار التأكيد على أن قيام «إسرائيل» بإنشاء مستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية ويشكل انتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي.

ليبيا

أكد مارك كورتيس، مؤرخ ومحلل للسياسة الخارجية البريطانية، أن الهجوم البريطاني غير الشرعي على ليبيا في آذار 2011 كان انتهاكاً لقرار الأمم المتحدة رقم 1973، الذي يقضي بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا واستخدام جميع التدابير اللازمة لمنع الهجمات على المدنيين وحمايتهم، لكنه لم يفوض باستخدام القوات البرية أو يسمح بتغيير النظام، وهو الأمر الذي سعت إليه حكومة ديفيد كاميرون السابقة، وفي الواقع، كاميرون نفسه أكد أن هذه السياسات هي غير قانونية، حيث أخبر البرلمان في 21 آذار 2011 أن قرار الأمم المتحدة لا يوفر صراحةً سلطة قانونية لاتخاذ إجراء لإخراج الرئيس الليبي السابق معمر القذافي من السلطة بالوسائل العسكرية. وكانت النتيجة أن تحولت ليبيا إلى دولة فاشلة وبؤرة للفصائل المتشددة.

الاغتيالات

تحت عنوان «قائمة القتل الخاصة ببريطانيا»، اتهم تقرير صادر عن منظمة «ريبريف» البريطانية حكومة المحافظين بالقيام بخداع البرلمان، فمن الناحية الرسمية ليس لدى بريطانيا ما يُسمى «قائمة القتل»، لكن رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون اضطر إلى الاعتراف بتنفيذ بريطانيا برنامج اغتيالات في الشرق الأوسط، بينما يشكل خرقاً لأهم القوانين والقواعد الدولية.

ويقول تقرير المنظمة: في 7 أيلول 2015، جاء كاميرون إلى البرلمان وأعلن عن انطلاقة جديدة لبريطانيا، تدور حول اتباع استراتيجية تتمثل في قتل الأفراد الذين لا يروقون لأجهزة الأمن والجيش البريطانيين، والذين تخطط بريطانيا (بالتواطؤ مع الولايات المتحدة وغيرها) لقتلهم بشكل منهجي. وأضاف التقرير: لسوء الحظ، لم يكن ذلك انطلاقة جديدة على الإطلاق لأن بريطانيا كانت تفعل ذلك سراً لأكثر من عقد من الزمن.

الرقابة

في عام 2014، مُنح الجواسيس البريطانيون (بشكل غير قانوني) سلطة التنصت سراً على اتصالات بين المحامين وموكليهم وغيرهم ممن يعدّون أنهم يعملون في مهن حساسة تتعامل مع معلومات سرية وذلك وفقاً لوثائق تم نشرها كنتيجة ثانوية لقضية قانونية رفعتها عائلات ليبية ضد الحكومة البريطانية، وقالت فيها إنها تعرضت لعمليات تسليم وتعذيب استثنائية، وقد ثبت أن بريطانيا تنتهك القوانين الدولية وذلك في إطار عملية بريطانية أمريكية مشتركة نفذت في عام 2004.

وكشفت تلك الوثائق أن بريطانيا تجسست على سياسيين أجانب في اجتماعات قمة مجموعة العشرين في لندن 2009 وجمعت كميات هائلة من رسائل البريد الإلكتروني ورسائل على «فيسبوك» واتصالات الإنترنت وأطلعت وكالة الأمن القومي الأمريكية على محتواها. وفي وقت سابق من العام الماضي، أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن برنامج بريطانيا المتعلق بعمليات مراقبة واسعة في البلاد ينتهك قانون حقوق الإنسان.

الموثوقية

إن خرق القوانين والمعايير الدولية له انعكاساته على المدى الطويل، ولاسيما فيما يتعلق بتقويض الأمن القومي والمصالح طويلة الأمد والموثوقية. هناك افتراض بأنه لا يمكن إنفاذ القانون الدولي بالقوة، ولكن في عالم اليوم، يمكن أن تكون العقوبات الدولية مدمرة شأنها شأن استخدام القوة، وتلك العقوبات يمكن أن تكون اقتصادية أو دبلوماسية بطبيعتها. وإذا كانت بريطانيا تريد أن تكون لاعباً دولياً، فهي بحاجة بشدة إلى تقدير القوانين والمعايير الدولية والتقيد بها.

عن موقع «إنفورميشين كليرينغ هاوس»