المشهد اليمني الأول/

 

مَنْ يراقب ما يحدث في اليمن قرابة أربع سنوات ماضية لا يعاني شيئاً من الإجهاد الذهني وطول التفكير حتى يكتشف أنها مذبحة فظيعة متصاعدة يوماً بعد يوم، تكاد تأتي على شعب بكامله، سواء بفعل مباشر يتأتى من حقد أعمى يتأجج في صدر بني سعود وحلفائهم ويترجمونه على الأرض بكل ما لديهم من صواريخ وقنابل وقذائف محرّمة دولياً ومرسلة ممن يدعون الدفاع عن حقوق الإنسان والشعوب ونصرة المظلومين، أو بفعل غير مباشر يتمثل بالجوع والمرض والأوبئة ونقص الماء والدواء، وما إلى ذلك من متطلبات العيش والحياة.

 

 

وسط هذه الفوضى العارمة التي تجتاح الأرض اليمنية جاء اتفاق استوكهولم نوعاً من الرقص الدبلوماسي بهدف تجميل المأساة والإيحاء بقرب انتهائها وبث الأمل لدى من فقدوا الأمل بأن شيئاً من الحياة يلوح في الأفق، وأن من ينتظرون الموت ويقفون على حافة النجاة سيجدون من يشدهم إلى الخلف أو يردم لهم الهوة السحيقة التي ستبتلعهم من دون رحمة.

 

لكن اتفاق استوكهولم أو ما بات يعرف باتفاق «الحديدة- تعز» كان ملغوماً بتفسيرات متناقضة شياطينها تكمن في التفاصيل، إذ يبرع الأوروبيون والأمريكان في صوغ مثيلاتها وجعلها تحمل أوجهاً يفسرها كل جانب، حسب مصلحته، لتسهيل إدارة الأزمات وضمان استمرارها إذا لم يكن الحل لمصلحة الطرف الذي يدعمونه أو يريدون له أن يفوز في المعركة.

 

ما يؤكد ما ندعيه هو أن اتفاق الحديدة وبعد قرابة ثلاثة أشهر على التوقيع عليه لا يزال يراوح في المكان، ولم يستطع القائمون على تنفيذه تحديد الجهة التي تعطل إنجازه، وهنا مكمن تخبط الأمم المتحدة وحيرتها، وهذا ما أراده لها مايسترو هذه الحرب الدموية «الولايات المتحدة الأمريكية» و«الكيان الصهيوني».

 

ليس جديداً عندما نقول إن ما يحدث ضد اليمن هو فصل من فصول المخطط الذي أطلقه المنظّرون الأمريكيون المتصهينون ليكون القرن الحادي والعشرون قرناً أمريكياً بامتياز تستخدم خلاله الجيوش الوكيلة بدلاً من الجيوش الأصيلة كما حدث خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

 

ولذلك، نجد تعدد الجبهات وتشعب الاتجاهات والمحاور لإعطاء الخصوم أكبر قدر من المناورة إذ لا تعني الخسارة على محور ما خسارة الحرب بأكملها.

 

ما يضحك ويحزن في الوقت ذاته أن الدول التي تزود طرف العدوان المجرم المتمثل ببني سعود بالسلاح الفتاك الذي يقتل الشعب اليمني هي ذاتها التي تراوغ وتناور وتتباكى على اليمن وأطفاله، ولكنها تنافق أيضاً بشد الأنظار بعيداً عن معرقلي الحل الحقيقيين باتهامها الجيش الوطني اليمني واللجان الشعبية بتحمل المسؤولية بتأخير تنفيذ اتفاق استوكهولم، كما فعل وزير الخارجية البريطاني قبل أيام قليلة.

 

هذه التصريحات تعد قمة الرقص الدبلوماسي، ولكن خارج سياق الواقع والحقيقة، لأن من يعطل الاتفاق ليس الجيش واللجان الشعبية الذين هم أصحاب الأرض والمعنيون أولاً وأخيراً بالحفاظ على وطنه وصيانة حريته واستقلاله وإنما من يعطل الاتفاق هم أولئك الغزاة المتحالفون مع مرتزقة جاؤوا بهم من كل أصقاع الأرض لتدمير اليمن وحضارته وتراثه حتى يتحول إلى ما يشبههم أو يمحى من الوجود، وما حجة «عودة الشرعية» إلا نكتة سخيفة لم تكن منذ اليوم الأول لاستلامها السلطة في اليمن شرعية بل هي من أذناب النظام الذي حاربوه حتى انقطع والتحق بهم فصاروا يلوحون به كيفما شاؤوا وأينما شاؤوا.

 

في المحصلة، فإن اتفاق الحديدة وأي اتفاق آخر لن يبصر النور، ولن يجد طريقه إلى التطبيق وإنهاء المأساة في اليمن ما لم يكن يمنياً- يمنياً صرفاً يتحاور فيه اليمنيون ويحددون نقاط الخلاف فيتجاوزونها ونقاط الاتفاق فيبنون عليها ومن ثم يحددون مصلحة بلدهم وشعبهم ويسعون جميعاً لتحقيقها، وما عدا ذلك من حلول واتفاقات برعايات خارجية ستكون محاولة فاشلة لرقص دبلوماسي جديد.

 

هيثم صالح – كاتب من سوريا