الرئيسية أخبار وتقارير أسباب زيارة وزير خارجية بريطانيا إلى عدن وأهدافها

أسباب زيارة وزير خارجية بريطانيا إلى عدن وأهدافها

2738

المشهد اليمني الأول/

 

كانت القوى الاستعمارية التاريخية الكبرى في القرنين الماضيين تُرسل قواتها لاستعمار واستعباد الشعوب الضعيفة.. هذا ما فعلته بشكل خاص بريطانيا حين احتلت بلاداً واسعة في آسيا وأفريقيا.. وبعد انتزاع شعوب كثيرة استقلالها النسبي أو الكامل، بدأت بريطانيا تكلف الدول التابعة لها والتي بقيت خاضعة لهيمنتها بمهمة احتلال دول وأراض لبسط الهيمنة البريطانية عليها، ولذلك كان من الطبيعي أن تكلف بريطانيا والولايات المتحدة اللتان تتقاسمان نسبياً النفوذ في شبه الجزيرة العربية، السعودية تحت حكم بني سعود باحتلال اليمن الذي أراد أن تكون له سياسته المستقلة عن الدول التابعة للقوى الأنغلو– أمريكية، وفرضت الدولتان بريطانيا وأمريكا على حلفائهما في الشرق الأوسط الاشتراك- ولو بشكل شكلي- في تحالف تقوده السعودية لتقسيم اليمن لمصلحة هذه القوى الاستعمارية وعودة قواتها إليه.

 

 

وهكذا أصبح العربي يقتل أخاه العربي بسلاح يدفع ثمنه إلى القوى الاستعمارية لكي تحكم بريطانيا وأمريكا تلك البلاد بعد تدميرها على أيدي الأشقاء، فاليمن يشكل الدولة والشعب اللذين كانا خارج التبعية الشاملة لقوى الاستعمار، ولعله الشعب الوحيد في شبه الجزيرة العربية الذي قاوم الاستعمار البريطاني وطرده بالقوة من اليمن الجنوبي وكل محافظاته بعد عام 1967 وشكل أول نظام حكم جمهوري في تاريخ تلك المنطقة التي بقي معظم حكامها أنفسهم الذين عينتهم بريطانيا في القرنين التاسع عشر والعشرين، يتوارثون الحكم والتبعية لها.. وهذا ما طورته خطة الاستعباد الأشد وحشية في تاريخ أبشع أنواع الاستعمار البريطاني والأمريكي، لقد ظلت بريطانيا وأمريكا تمتصان معظم مصادر الثروات الطبيعية لدول شبه الجزيرة العربية، وتستخدمان أموالها لاستعمار شعوب أخرى لكنها في يومنا هذا انتقلت إلى مرحلة أشد وحشية وهي استخدام القوى البشرية لمعظم دول شبه الجزيرة العربية وزجّها في حرب ضد الأشقاء لكي تأتي بريطانيا وأمريكا لاستعمار هؤلاء الأشقاء والهيمنة على بلادهم.

 

 

وهاهي بريطانيا في يومنا هذا تريد استعادة هيمنتها الاستعمارية على أراضي اليمن، فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (المُفترض في 29 آذار الجاري) سيدشن كثافة في تنفيذ خطط البدء بعودتها العسكرية والسياسية والاقتصادية لشبه الجزيرة العربية والمنطقة بتنسيق مع القوة الكبرى الأمريكية حليفتها التاريخية التي تهيمن على تلك المنطقة ودولها وحكامها.. ولهذا وجدنا جيرمي هانت يقوم بأول زيارة كوزير للخارجية البريطانية إلى عدن منذ أكثر من عشرين عاماً قادماً من الرياض التي تشتري السلاح البريطاني والأمريكي وذخائره لقصف اليمن وتدميره بشراً وحجراً لكي تأتي القوات البريطانية والأمريكية وتنتشر فيه على غرار انتشارها في قطر ومن دون أن تراق لجندي بريطاني أو أمريكي قطرة دم، بل بدماء السعوديين واليمنيين ومن يشارك من بعض الدول في الحرب على اليمن؟!

 

 

ويُكثر المحللون من الأحاديث التي ترى أن مارتن غريفيث مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن كان سفيراً بريطانياً سابقاً اعتاد على خدمة المصالح الاستعمارية البريطانية ثم جِيء به ليُمثل دور الوسيط؟!

 

 

يبدو أن زيارة هانت إلى عدن الأحد الماضي كان هدفها إبلاغ رسالة إلى المقاومة المتمثلة في «أنصار الله» وكل المقاومين في الجيش اليمني ضد العدوان السعودي بأن بريطانيا ستتفرغ وحدها هذه المرة لاستعادة مستعمرتها السابقة في عدن وبقية محافظات الجنوب اليمني من دون أن تستخدم جندياً بريطانياً هذه المرة.

 

 

لقد قدم اليمنيون الذين قاوموا الاحتلال البريطاني في «اليمن الجنوبي» آلاف الشهداء من الشباب والآلاف الكثيرين من الضحايا المدنيين إلى أن حرروا البلاد في تشرين الثاني 1967 بعد أن أوقعوا خسائر بشرية بالآلاف للقوات البريطانية الاستعمارية خلال 12 عاماً من مقاومتهم.

 

 

وها هي بريطانيا تحلم الآن بعودة استعمارها لليمن على جثث اليمنيين وآخرين من العرب الذين تسخرهم بريطانيا لاحتلال البلاد وتسليمها لها وللولايات المتحدة، ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه بطريقة مشابهة لما جرى في الستينيات حين وقف جمال عبد الناصر داعماً بالسلاح والقوة البشرية كفاح اليمنيين منذ عام 1962 إلى أن تحرروا من الاستعمار البريطاني مثلما دعم اليمن الشمالي في ذلك الوقت في ثورته الجمهورية..

 

 

 

وفي يومنا هذا أصبحت قوى ودول محور المقاومة التي ثبتت ركائز قوتها بعد انتصار سورية وازدياد قدراتها هي التي تشكل القاعدة المناهضة للاستعمار بأشكاله كلها والمستعدة لدعم مقاومته في العالم العربي وفي المنطقة.. وسوف تبقى معركة التحرر من بقايا الاستعمار وأشكال هيمنته هي معركة كل الشعوب العربية والإسلامية في المنطقة.

 

 

تحسين الحلبي – كاتب من سوريا