المشهد اليمني الأول/

 

تغيرت النظرة الحالمة التي قوبل بها إنشاء وانتشار قوات «النخبة الشبوانية» الممولة من الإمارات من قبل بعض أبناء محافظة شبوة نهاية نوفمبر 2017. وبات واضحًا أن ذلك التفاؤل الذي أبداه البعض قد خف بريقه إلى الدرجة التي راح الكثير منهم يطالب برحيلها أو حلّها نظرًا للانقسام الكبير الذي أوجدته، وتهديدها للأمن والسلم المجتمعي في المحافظة ذات الطابع القبلي المتشدد.

 

 

وعبّر الكثير من أبناء شبوة عن امتعاضهم من ممارسات «النخبة» بمختلف وسائل الرأي ومن أبرزها مواقع التواصل الاجتماعي التي ضجت بعبارات الامتعاض من هذه القوات وطالبت برحيلها.

 

 

تأسّست «النخبة الشبوانية» على غرار «النخبة الحضرمية»، و«الحزام الأمني»، نهاية نوفمبر 2017 وهي قوات عسكرية تتبع «المجلس الانتقالي الجنوبي» وتنشطُ في المحافظة الغنية بالنفط. وأُنشئت كما هو معلن، لتحارب تنظيم «القاعدة» في شبه الجزيرة العربية.

 

 

وتتألّف الوحدة من 6000 آلاف جنوبي على الأقل وتُسيطر على غالبية المحافظة وخصوصاً المواقع النفطية والموانئ والشريط الساحلي وتتلقى تدريباً مكثفاً من القوات المسلحة لدولة الإمارات وتنفّذ أجندتها في اليمن، وتحظى بدعم أمريكي فيما يتصل بملف «مكافحة الإرهاب». هذا الملف تحديداً بات يمثّل كابوساً بالنسبة إلى اليمنيين، بالنظر إلى كمّ الانتهاكات التي تُرتكب تحت لافتته، سواءً بحق المعتقلين، أو أثناء المواجهات مع مشتبه فيهم.

 

 

من نعمة إلى نقمة

 

 

يقول المحلل السياسي عدنان الفهيد، من أبناء شبوة، إن «الهجوم المسلح الأخير الأشد عنفًا الذي شنته النخبة معززة بسلاح الجو على منطقة مرخة بحجة البحث عن عناصر إرهابية، كان بمثابة آخر مسمار في نعش العبث الإماراتي في شبوة والجنوب اليمني بشكل عام وأوجد حالة سخط غير مسبوقة تجاهها حتى لدى أولئك الذين هللوا لقدومها متناسين طبيعة انشائها والأهداف الخبيثة لمراميها».

 

 

ويضيف الفهيد خلال حديثه لـ«العربي»، إنه «وعلى الرغم من حديث النخبة الدائم والممل عن تنفيذها عمليات عسكرية ضد مواقع مفترضة لتنظيمَي القاعدة وداعش، بإسناد من سلاحي الطيران الإماراتي والأمريكي، إلا أنها لم تخض معارك مباشرة مع التنظيمين، ونتفاجأ بعد حدوث اشتباكات محدودة يذهب ضحيتها الأطفال والأبرياء، بتسليم المدن الواقعة تحت سيطرتهما للقوات المدعومة من أبو ظبي، ضمن تسويات وتفاهمات ترعاها شخصيات قبلية، تفضي في نهاية كل مرة إلى خروج عناصر القاعدة وداعش إلى المناطق الجبلية والريفية».

 

 

ويتابع: «بات أهالي شبوة والمحافظات الجنوبية يدركون تمامًا أن نشر الميليشيات المدعومة إماراتياً هدفه السيطرة على المناطق الغنية بالثروة في المحافظة النفطية والتي ما تزال ترتبها تخفي كميات مهولة من الثروات البكر التي ان استغلت كما يجب، فستشكل عامل نهوض قوي للمحافظة والوطن بشكل عام وهو ما يعزز منسوب الغضب المتنامي ضد النخبة وممارساتها في شبوة التي تتهم بعرقلة جهود التنمية وتقسيم المؤسسة العسكرية فضلا عن الممارسات القمعية ضد كل من يخالف أو يحذر من تواجدها».

 

 

مطامع استعمارية

 

 

بدوره، يقول عادل الطوسلي، أنه من ضمن الممارسات التي أثارت غضب الشارع الشبواني «قيام النخبة الاماراتية في شبوة والجنوب باقتصار الانتساب لقواتها على مقاتلين من أبناء قبائل سلطنة الواحدي، وهي السلطنة التي كانت قائمة أيام الاحتلال البريطاني للجنوب قبل عام 1967، فيما تمّ استثناء باقي قبائل شبوة وفي مقدمتهم قبائل العوالق من الدخول فيها وهو ما يفسر المرامي الاستعمارية للإمارات وتقوية طرف على طرف فيما يعرف بنظام فرق تسد بإذكاء النعرات القبلية الخطيرة التي تنذر بمواجهات كارثية ان لم يتم التنبه لمخاطرها».

 

 

ويضيف الطوسلي خلال حديثه لـ«العربي»، أن «الانتهاكات الانسانية التي تمارسها النخبة بحق أبناء شبوة قد بلغت مستوى لا يمكن السكوت عليه وخصوصًا بعيد هجومها الوحشي على منطقة الهجر في مديرية مرخة منتصف الشهر المنصرم».

 

 

انتهاكات تكشف الوجه الحقيقي للنخبة

 

 

وكانت منظمة «سام» للحقوق والحريات قد حذرت من تنامي الانتهاكات في محافظة شبوة اليمنية من جانب قوات النخبة الشبوانية، التي تديرها الإمارات العربية المتحدة.

 

 

وأشارت المنظمة إلى أن الانتهاكات مورست في حق أفراد، بينهم نساء وأطفال، ينتمون جميعا إلى قبائل العولقي، ونقلوا إلى مقار عسكرية للتحقيق دون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال. وقال نبيل البيضاني رئيس منظمة «سام» إن «قوات النخبة ومثيلاتها من التشكيلات التي تديرها دولة الإمارات تبدي ما وصفه بالاحتقار الفظ للقانون وحقوق الإنسان».  وطالبت المنظمة الحكومة الأمريكية بتوضيح موقفها من هذه الانتهاكات، خصوصاً مع تداول معلومات عن دعم أمريكي لـ«قوات النخبة الشبوانية والقوات الإماراتية في شبوة». ودعت منظمة «سام» كل الأطراف في اليمن إلى وقف الإجراءات التي تنتهك حقوق المواطنين وحريتهم, وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

 

وكان لهذه الممارسات الدور الكبير في كشف الوجه المرعب لهذه النخبة التي بات الكثير في شبوة ينظر لها على أنها ميليشيا متمردة لا يجب السكوت على ممارساتها.

 

 

أداة أبو ظبي

 

 

الصحفي فضل الجونة قال إن «أبناء شبوة والجنوب يدركون اليوم أن النخبة لم تكن إلا أداة بيد الإماراتيين يستخدمونها كعملاء ومأجورين ضد مصالح الدولة العامة ومؤسساتها العسكرية».

 

 

ويضيف الجونة خلال حديثه لـ«العربي» أن الدليل على ذلك أن «حتى قادة تلك القوات لا يملكون أبسط قرار عليها فيما تتلقى أوامرها وتوجيهاتها من الإمارات ليس لحفظ الأمن والأمان وتقوية مؤسسات الدولة، ولكن من أجل خلق قوة موازية على الأرض ودعمها لتنفيذ مشاريع إماراتية بحتة».

 

 

ويتابع: «ليس للنخبة أي علاقة بمصلحة المواطن والوطن، وعلى سبيل المثال ما حدث مؤخراً من اقتتال دام بينها وابناء القبائل في شبوة وما نتج عنه من قتل وتشريد للأسر وتدمر كبير للمنازل والممتلكات، وهو ما يؤكد أن قوات النخبة ما هي إلا قوات مأجورة وعميلة تخدم جهة لا تتبع الدولة، وتتلقى الدعم والرعاية من ابوظبي باسم التحالف، ويتقاضون منها الرواتب ويرفضون أن يتم دمجهم مع المؤسسة العسكرية جميع تلك العوامل أفقدت هذه القوات ما تبقى لها من حاضنة شعبية وان بسيطة».

 

 

ويستطرد الحونة: «ابناء شبوة بوعيهم وادراكهم لأبعاد ومرامي أبوظبي، باتوا يدركون اليوم الحقيقة الخفية من انشاء هذه القوات لإدراكهم خطورة مثل هذه الوحدات العسكرية الاشبه بالمليشيات والعصابات التي تهدد عرى السلم والتعايش في المحافظة التي أصبحت اليوم تلعن هذه التشكيلات وكل من يقف خلفها».

 

 

واختتم الحونة: «لسان حال أبناء شبوة اليوم يقول إن أية تشكيلات عسكرية تنشأ خارج إطار مؤسسات الدولة العسكرية تعتبر مليشيات، يجب ازاحتها عن المشهد الشبواني وفي باقي المحافظات ودمج أفرادها ضمن قوام مؤسسات الدولة وتكون قوات نظامية ووطنية، بعيداً عن العمالة وخيانة الوطن أو المساس بسيادته».

 

 

(تقرير – توفيق علي)